والجمع بين المجرورات: {ثُمَّ لََا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنََا بِهِ تَبِيعًا} (69) (الإسراء: 69) [1]
فإن الأحسن الفصل بينها، إلا أن مراعاة الفاصلة اقتضت عدمه وتأخير = تبيعا =. ومعنى = تبيعا = أى ناصرا يتتبعنا فيمنعكم أو ينتصر لكم منا [2] . لا بدّ إذن أن هناك معنى يتجاوز في سموه مجرد مراعاة الجمال الظاهرى للعبارة القرآنية، ولعل ابن الصائغ وهم في الآية، فلم يفطن للضمير = نا = الفاصل بين حرفى الجر = على = والياء في = به =.
ثم إن في المتابعة بين ذكر عبارة = لكم = و = علينا = وتأخير = به = العائد على النصير المتوهّم، بلاغة ما بعدها بلاغة إذ أنه يحمل في طيّاته ما يناسب الكلام في موقف التحدى، والمقارنة بين قوة الله، والقوة المزعومة لغير الله وأيضا فإن في تأخير حرف الجر ومتعلقه ما فيه من اللفت إلى ضآلة شأن كل ما عدا الله تعالى، ولذلك ذكره تعالى بالضمير أيضا وشدد في تنكير أمره.
ومن أنواع الفواصل أيضا تغيير بنية الكلمة كما في قوله: {وَطُورِ سِينِينَ} (2) (التين: 1) . والأصل سينا أو سيناء [3] . على أن هذا قد يكون اسما آخر للجبل نفسه أو هو مما كانت تسميه به بعض القبائل أو الشعوب المحيطة به. وعلى أية حال فهذا من مشكل القرآن ذكره الأخفش وقال: {وَطُورِ سِينِينَ} (2) واحدها السنينة [4] .
وأخيرا نقول إن القرآن يحتوى على ما اصطلح على تسميته بالسجع إلا أن استعمال هذه الأسجاع في القرآن لم يكن هو الغاية في حد ذاته، وجمال القرآن لم يأت لكون الكثير من آياته جاءت مسجوعة ولكن جماله ينبثق من كونه كلام رب العالمين، زيّنه الذى زيّن السماء الدنيا بزينة الكواكب، وأودع فيه من الأسرار الكثيرة اللغوية، والبيانية، والعلمية كما أودع في هذا الكون من أسرار ومعاجز ونظّمه الذى نظّم السماوات سبعا طباقا، ما ترى فيها من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، طبق بنفسك ذات المنهاج
(1) كتبت هذه الآية خطأ في الإتقان هكذا: (ثم لا تجد لك به علينا تبيعا) ، والصواب كما في المصحف: {ثُمَّ لََا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنََا بِهِ تَبِيعًا} (69)
(2) المصدر نفسه 1/ 301.
(3) المصدر نفسه 1/ 301.
(4) انظر: معانى القرآن. بيروت. عالم الكتب 1405هـ 1985م ج 2ص 740وابن حيان البحر المحيط 8/ 490.