فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 386

وقلب بصرك وبصيرتك في القرآن ثم أمعن فيه النظر ثانية وثالثة، وفكر هل ترى فيه من خلل، أو تطلع منه على علة أو زلة. ليس جمال القرآن إذا في الأسجاع أو الأوزان التى تمثل القشرة أو الغلاف الخارجى للقرآن فحسب، وإنما في الروح التى تتخلل ثناياه تخللا طبيعيا لا تكلف فيه [1] . إن كل كلمة في القرآن تعرج بروحك إلى الجمال الإلهى الذى انبثقت عنه وتنزلت من عنده، وتسمو بسرّك إلى ربك، فتطلع هناك من أقرب الحضرات على مجالس أنوار القدس الأعلى في مملكة الآيات النورانية ذات الجلال الأبدى والكمال السرمدى.

إن جمال القرآن جمال روحانى، ومعرفي لدنّي، وحسنه حسن إلهى علوى، يسمو على كل أنواع الجمال إنه أسمى من الأسجاع، وأدق من الأوزان الشعرية، وأروع من المحسنات البديعية، وأوقع في النفس من فعل القوافى، وأنصع في الناظرين من الدرر الخوافى. إنه أرق من النسيم، وآنق من رواء السّوسن، وأصفى من ماء السماء، وأنفذ تأثيرا من شذا الريحان، وأجلى في الأبصار والبصائر من نور البدر التمام وفوق كل ذلك ودونه، فإن القرآن يحتوى على ذلك الجمال الإلهى الخالد والسر السرمدى الباقى، الذى يعانقه ولا يفارقه، ويلازمه ولا يخاصمه. ولو أن الأسجاع تأتى بهذا الإبداع، لجاز أن يقاس القرآن بأسجاع خطباء العرب وكهانها، أو بتخليطات الأنبياء الأدعياء الكذبة كمسيلمة الكذاب، وكهؤلاء الذين كانوا يقلدون السجاعين، فيرصفون كلاما طنانا يتوهمون أنه آية في الصنعة وغاية في البدعة وأنه من جنس ما جاء به محمد بن عبد الله فما كان لهم إلا الهوان على مر الزمان، وما كان لكلامهم من حظ غير النسيان لقد ذهب كل كلامهم الأجوف وبقى القرآن آية في الكلام، ومعجزة في عالم اللغات، وإماما في العلوم والآداب، والأخلاق والمعاملات، وفى السياسة والاجتماع وهاد لأهل الدنيا إلى الحياة الطيبة لأهل الدنيا الحافلة بالأمن والأمان والقيم الفاضلة الراسخة، وبالسعادة الدائمة في الحياة الآخرة.

(1) انظر: للجرجانى دلائل الإعجاز ص 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت