فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 386

الكلام. فيقول = إن إعادة ذكر القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، تؤدى معنى واحدا من الأمر الصعب الذى تظهر به الفصاحة وتتبين به البلاغة = [1] .

ونحن مع الباقلانى في حرصه على تفرد القرآن في المفاهيم والأساليب وفى الشكل وعلى إبعاد أى فكرة قد توحى بصناعته أو التقدم عليه في القيمة الأدبية أو المماثلة له وننفى مع القاضى أن يكون الله تعالى قد ذكر موسى أولا في موضع، وهارون سابقا عليه في موضع آخر بغرض المحافظة على وضع السجع من الكلام فقط ولكننا لا يمكن أن ننفى السجع عن القرآن، أو نثبته ونسميه بغير اسمه، لأن السجع من ذخائر اللغة العربية وسماتها الصوتية، وهو دليل على سعة هذه اللغة ووفرة ألفاظها وتضاعف مفرداتها ثم إنه لا تكاد لغة من لغات العالم تهمل هذا الجانب الجمالى الظاهرى في الكلام تحت أى اعتبار فالسجع منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، يحمد السجع إذا أدى المعنى ولم يجئ متكلفا، ولا مبالغا فيه، أو مقصودا لذاته ويذم إذا كان لمجرد التلاعب بالألفاظ أو التشدق بالعبارات وإذا كان القرآن قد نفى عن نفسه أن يكون من قبيل كلام الكهان، وأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يطب له سماع كلام الذين خاطبوه بشأن الطفل القتيل لما فيه من سجع، وأنه صلى الله عليه وسلم شبهه بسجع الكهان، فليس معنى هذا أن السجع كله مذموم وأن ذمه يكون هكذا مقصودا لذاته على الإطلاق وإنه لمن الرشد أن لا نعمم اعتراض النبى صلى الله عليه وسلم على المتكلمين بالسجع بحضرته إذ قد يكون السبب خاصا بهؤلاء المتحدثين ويكون اعتراضه عليه السلام بسبب عدم وضوحهم وعدم مراعاتهم لمقتضى الحال أو لتشرفهم بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم. وأيّا كان الأمر فإن الفواصل السجعية في القرآن من تمام جمال كلام الله تعالى، وقد نوع الله عز وجل في نهاياتها ومقاديرها بطريقة إعجازية جعلت السجع محمودا، بل تكاد الطريقة القرآنية في استعمال السجع تختلف عما تواضع العرب عليه واستنوه في كلامهم ولقد كان السجع القرآنى ولا يزال عاملا مهما من عوامل حفظ القرآن الكريم، وتيسير ذكره، وتحبيب قراءته إلى القلوب وسماعه إلى الآذان والوجدان.

(1) الباقلانى. إعجاز القرآن 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت