وأما السجع فمعناه عند أهل اللغة = موالاة الكلام على حد واحد = [1] وقال ابن دريد: سجعت الحمامة أى ردّدت صوتها وانشد.
طربت فأبكتك الحمام السواجع ... تميل بها صحوا غصون نوائع
ومعنى = نوائع = موائل [2] .
اعترض القاضى أبو بكر الباقلانى على القائلين بالسجع في القرآن محتجا عليهم بأنه لو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلام العرب ولو كان مثلها ومعدودا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يقال القرآن سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا هو شعر معجز، كيف والسجع كان من صناعة الكهان وقد نفاه الله تعالى هو والشعر عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن القرآن، وقد رده النبى صلى الله عليه وسلم ولم يستحسنه من القوم إذ قال:
= أسجع كسجع الجاهلية = أو = أسجاعة كسجاعة الجاهلية = في رواية أخرى.
يقول الباقلانى = إن الذى يعتبره هؤلاء سجعا ليس بسجع. وإنما هو شىء على مثاله، لأن السجع من الكلام يكون فيه المعنى تابعا للفظ الذى يؤدى السجع، والقرآن ليس كذلك لأن اللفظ يقع فيه تابعا للمعنى = [3] .
ويضيف الباقلانى إنه لو كان الذى في القرآن سجعا لكان مذموما مرذولا لأن السجع له منهج مرتب محفوظ وطريق مضبوط إذا أخل به المتحدث اختل كلامه واعتل حديثه، وجانب الفصاحة، ويكون حينئذ خروج عن قاعدة السجع كخروج الشعر على حكم الوزن والقافية.
والمراجع لما يعتبر سجعا في القرآن من وجهة نظر القاضى يجده كلاما متقارب الفواصل، متقارب المقاطع، بعضها يمتد حتى يتضاعف طوله إلى درجة تجعل الفاصلة موافقة للوزن الأول بعد كلام طويل وهذا غير مقبول عند السجاعين، ولا هو محمود منهم. ثم يرد القاضى على المعارضين استشهادهم بأن القرآن يقدم موسى على هارون في موضع ويقدم الثانى على الأول في موضع آخر مراعاة للسجع وتساوى مقاطع
(1) المصدر نفسه 292، 293والتاج 5/ 375والجمهرة 2/ 93والباقلانى إعجاز القرآن 83.
(2) السيوطى الإتقان 1/ 293.
(3) الباقلانى إعجاز القرآن 83، 84.