فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 386

وعند ما اتسعت رقعة الإسلام اتسع حفاظه، ومعلموه، ومتعلموه أيضا، وانتشرت بكثرة دور تحفيظ القرآن، في البقاع الإسلامية كلها على ترامى أطرافها واختلاف أجوائها وبيئاتها ومدنياتها، وتعدد أجناسها. ومن معجزات القرآن أنه كان يقرأ في لغته الأصلية في بلاد لم يكن لها عهد باللغة العربية.

لا يوجد كتاب في العالم قد عني به أهله أكثر من القرآن بل إن هناك كتبا مقدسة تطبع بالملايين، وتترجم إلى لغات العالمين ولهجاتهم بل ويدفع بها إلى الناس دون مقابل، في أفخم الطبعات وأجمل الإخراج، ومع هذا فإنها لا تجد من يقرؤها، وليس يقرأ منها غالبا إلا في مناسبة دينية أو لدراسة علمية بحتة، ولا يفوتنا أن نلفت النظر هنا إلى أن بعض هذه الكتب المقدسة قد فقد بالكلية ومنها ما بقى بعضه ودخله التحريف والتبديل.

وننتقل الآن إلى نقطة أخرى مهمة أثارها الكاتب في سياق حديثه عن لفظة = قرآن = إذ يزعم أن المفهوم الإسلامى والمفهوم الاستشراقى لكلمة = قرآن = كلاهما له بعض الشواهد القرآنية التى تؤيده، ولسنا ندرى كيف سوّى المعارض بين المفهومين على الرغم من الاختلاف الواضح بينهما، هذا من جهة ومن جهة أخرى أين هو هذا الدليل القرآنى الذى يؤيد زعمه بأن لفظة = قرآن = سريانية الأصل؟ إن كلمة = قريانا = التى جاء بها الكاتب، والتى تختلف في شكلها وجرسها عن الكلمة العربية = قرآن = لا وجود لها في كتاب الله تعالى، وبالتالى فإن القاعدة التى بنى عليها المستشرقون تفسيرهم خارجة أصلا عن نطاق النص، وليس لها به أدنى تعلق، وكون كلمة = قرآن = تقرأ بدون همز أو نبر إعمالا للّسان القرشى، أو للتخفيف كما سنذكره بعد بشيء من التفصيل لا يعنى أنها منقولة من السريانية كما زعم الكاتب، إذ أن خلوّها من الهمزة، والذى يجعلها قريبة في النطق، إلى حدّ ما، من كلمة = قريانا =، لا يؤيد دعوى المستشرق في سريانيتها بل إن نطقها مهموزة وغير مهموزة فيه إشارة إلى كونها جارية على أصول العربية، خاضعة للهجات العرب.

ذكر ويلش أن الفعل = قرأ = ورد ذكره في القرآن سبع عشرة مرة كما أن كلمة = تلا = بمعنى = قرأ = قد استعملت في القرآن أكثر من الفعل = قرأ =، وهذا صحيح من حيث المبدأ ولكننا لا نوافقه في النتيجة التى يحاول تقريرها ويشرئب إليها، وهى أن كلمة = قرآن = مستعارة من اللغة السريانية، وذلك بحجة أن الفعل = تلا = يوجد في القرآن أكثر من الفعل = قرأ = وفى الحقيقة فإن الكلمتين = تلا =، و = قرأ = تستعملان كمرادفين في القرآن، وإن كان هناك فرق دقيق بينهما لا يحصل إلا بمعرفة عميقة بأسرار اللغة وحس أهلها ولكى نوضح ذلك نقول إن الفعل = تلا = يعنى = قرأ بتتابع =، و = قرأ من نص أو كتاب =، وهى تفيد أيضا القراءة بصوت مسموع على الغير، يقول تعالى: {قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} (الأنعام: 151) ، وَمََا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتََابٍ وَلََا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا

لَارْتََابَ الْمُبْطِلُونَ (48) (العنكبوت: 48) ، {قُلْ لَوْ شََاءَ اللََّهُ مََا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلََا أَدْرََاكُمْ بِهِ} (يونس: 16) ، {تِلْكَ آيََاتُ اللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ} (البقرة: 252) ، {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ} (النمل: 9291) ، {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنََاهُ آيََاتِنََا فَانْسَلَخَ مِنْهََا} (الأعراف: 175) ، {وَاتْلُ مََا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتََابِ رَبِّكَ} (الكهف: 27) ، والمصدر = تلاوة = مستخدم أيضا في القرآن، يقول تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ الْكِتََابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلََاوَتِهِ أُولََئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ الْخََاسِرُونَ} (121) (البقرة: 121) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت