وهل في العجب من مجال أوسع من أن يجعل فولرز القراءات الشاذة هى أصل القرآن؟ مع أن العلماء قد اختلفوا في شأنها اختلافا كبيرا واعتبروها رواية آحاد لا يؤخذ بها ولا يحكم بقرآنيتها، وفى هذه القرينة لا يفوتنا أن نسأل فولرز، أيّ لغة عامية كانت تستعمل في مكة؟ والعرب لم يكونوا يعرفون ما نسميه نحن في عصرنا الحديث بالعامية التى روّج لها الاستعمار وأجناده في بلادنا، لضرب اللغة العربية والوحدة اللغوية بين العرب
للتفريق بينهم وعزلهم عن ماضيهم، وتمهيد لفرض اللغات الغربية والنماذج الغربية عليهم.
ولكي نستوفى ردّنا على مزاعم فولرز لا ينبغى أن نغفل التنبيه على ما قاله بالنسبة للرسم العثمانى وعلى الطريقة الإملائية التى تميز بها. أفرد هذا الموضوع بالتصنيف جماعة من المسلمين، من المتقدمين، ومن المتأخرين منهم أبو عمرو الدانى، وأبو العباس المراكشى المعروف بابن البنا (721هـ) ، ألف الأخير كتابا سماه = عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل = بيّن فيه أن الأحرف التى كتب بها القرآن، إنما اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معانى كلماتها. ويفهم من كلام ابن أبى أشتة على ما نقله السيوطى في الإتقان أن آدم كان هو أول من وضع الخط العربى والرسم الإملائي الذى استعمل في كتابة المصحف.
وأخرج ابن أبى أشتة من طريق عكرمة عن أبى عباس قال: = أول من وضع الكتاب العربى إسماعيل، وضع الكتاب كله على لفظه ومنطقه، ثم جعله كتابا واحدا، مثل الموصول، حتى فرق بينه ولده من بعده. وذهب ابن فارس إلى أن الخط توقيفى، لقوله تعالى: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ} (5) (العلق: 54) . وقوله تعالى:
{ن وَالْقَلَمِ وَمََا يَسْطُرُونَ} (1) (القلم: 21) قال: = إن هذه الحروف داخلة في الأسماء التى علم الله تعالى آدم = [1]
ويخبرنا السيوطى أنه ألف كتابا مفردا في الأبجدية [2] ، من المعروف أن خط المصحف الإمام قد خالف الحروف الهجائية في بعض الحروف. وقد اتفق علماء الأمة على ضرورة الالتزام بالرسم العثمانى في كتابة المصحف، وعدم الأخذ بما استحدثه الناس في طريقة الكتابة.
ومن أمثلة ما اختص به المصحف الإمام من الرسم، حذف الألف من ياء النداء نحو: {يََا أَيُّهَا النََّاسُ} ، {يََا آدَمُ} ، {يََا رَبِّ} ، {يََا عِبََادِيَ} ، {أُولََئِكَ} ، {لََكِنْ} ، {خَلََائِفَ} ، (خلف) ، وفى كل كلمة زائدة على ثلاثة حروف مثل: (صلحا) ، {خِلََالَكُمْ} ، وتحذف الألف من (ملك) ، و {ذُرِّيَّةً ضِعََافًا} .
(1) كتاب فقه اللغة، والإتقان 4/ 148، 149.
(2) المصدر السابق 149.