بل لقد أطلق القرآن القول في وصف لغة القرآن بأنها = بلسان عربى مبين = ومن التضييق أن نقول إن اللسان العربى المبين هو لهجة قريش، أو بالتعبير القديم لغة قريش مع ملاحظة أن القرآن قد استعمل لفظة = لسان =، ولم يستعمل لفظة = لغة = التى هى بمعنى اللهجة في تعبيراتنا الحديثة. واللسان يعنى مجموع هذه اللهجات، والتى كان يعرفها العرب على اختلاف قبائلهم.
وقد ساهمت كل اللغات أو اللهجات العربية وأكثرها نصيبا لغة قريش في تشكيل ألفاظ القرآن ومفرداته التى جاءت في أحسن أسلوب وأسمى بيان وأحكم بناء. وإضافة إلى ذلك يمكن أن نقول إن عبارة: {بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وصف للقرآن على معنى التركيب الإلهى له الذى ميزه عن سائر أنظمة كلام البشر وتراكيبه. وليس وصفا للغة العربية نفسها.
ناهيك بأن اللهجات العربية كانت مستعملة في شئون الحياة العامة أيضا إلى جانب اللغة الواحدة التى كانت تجمع العرب جميعا على الأدب والشعر والحكمة، ولم يكن الأدب والإبداع الأدبى في الجزيرة العربية مقصورا على شعراء قريش وخطبائها وحدهم فالشاعر العربى كان يكتب للعرب جميعا، وكذلك الخطيب وصاحب الأقاصيص كلهم لهج بهذه اللغة الواحدة وأسمع وأمتع قومه بها.
والذى نريد أن يعرفه الكاتب الغربى وغيره من المستشرقين هو أن القرآن يمثل ذروة البيان في اللغة العربية، وأنه جاء للعرب بما يفهمون، وخاطبهم بما يعرفون وبه يحسون سواء على وجه التفصيل أو الإجمال أو التقريب، أو التمثيل، وأن لغة القرآن عربية فائقة ورائقة.
وأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بهذا اللسان المبين وأنه لم يكن يتكلم لهجة محلية إلا مع أهلها، كما ذكرنا من قبل، ولم يكن صلى الله عليه وسلم كذلك يتكلم بلغة مخلطة أو مهجورة، وأن الصحابة لم يكونوا بالذين يخطئون في إعراب الكلمات كما زعم ويلش بل إنهم على العكس من ذلك تماما فإنهم يعتبرون حجة في اللغة وقولهم هو القول الفصل عند الاختلاف على شىء منها.
يذكر الكاتب أن نظرية (هكذا يسميها) = اللسان العربى المبين = كإشارة إلى لهجة قريش قد هاجمها كارل فولرز في سلسلة من المقالات المدعومة بالأدلة والتى ظهرت ابتداء من 1894م ميلادية وانتهت بعمله الكلاسيكى:
فى هذه البحوث ادعى فولرز أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الأجزاء الأولى من القرآن في بداية الوحى بلهجة عربية عامية، وبدون إعراب، وهكذا خالف محمد بين القرآن وبين الشعر الذى كان يكتب بالعربية الفصحى الممتازة، وبالتالى فإن القرآن الذى بين أيدينا الآن ليس هو القرآن الذى كان يقرؤه محمد بل هو من صنع اللغويين وتلفيقاتهم، ومن صنع اللاحقين لهم، كذلك فعل هؤلاء الذين حالوا كتابة الوحى باللغة العربية الفصحى، بالطبع ليضمنوا له البقاء ويخلعوا عليه أزهى رواء، ويمضى فولرز في زعمه قدما فيقول = إن اللغة الأصلية التى نزل بها القرآن بقيت فقط في بعض الأشكال أو الأنواع الإملائية الغريبة والقليلة كحذف الألف، على سبيل المثال، من بعض الكلمات أو زيادتها عليها والتى بقيت في القراءات الشاذة =!!.