ولكن ينبغى أن يسبقها في الذهن أن لغة قريش كانت هى الأساس في تشكيل النص القرآنى، وذلك لما اختصت به من كمال وجمال، وجلال بالمقارنة إلى غيرها، وقد أثنى كثير من العلماء على لهجة قريش [1] بل ربما بالغوا في الثناء عليها لأنها كانت لغة النبى صلى الله عليه وسلم.
فقد ورد عن عثمان أنه قال للرهط القرشيين الثلاثة الذين انتدبهم لكتابة القرآن وهم: زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير. أنهم = إذا اختلفوا مع زيد بن ثابت في شىء من القرآن أن يكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا = [2] .
ومن رواية ابن التين ندرك أن عثمان كان قد اقتصر في جمع القرآن من سائر اللغات، على لغة قريش، محتجا على ذلك بأنه نزل بلغتهم. وإن كان قد وسّع في قراءته بلغة غيرهم، رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة هى لغة قريش = [3] .
ووردت روايات أخرى فيها أقوال لعثمان، تقضى بأن القرآن نزل على وجوه لحون أو لهجات أخرى في القرآن [4] .
وذكر أبو منصور محمد بن أحمد الأزهرى (ت: 370هـ) فى التهذيب قولا آخر مؤداه أن القرآن نزل على سبع لغات وبعضه نزل بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة وبعض منه بلغة هوازن وسعد بن بكر وكذلك سائر اللغات. وعزز الأزهرى ذلك محتجا عليه بقول عثمان حين أمر الرهط الثلاثة بكتب المصاحف: = وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإن أكثر ما نزل بلسانهم =.
اختاره الأزهرى وصححه البيهقى في شعب الإيمان [5] ولما اختلف كتاب المصحف في كلمة = تابوت = هو = التابوة = أو = التابوت = احتكموا إلى عثمان رضي الله عنه فقال: اكتبوها
(1) مقدمة ابن عطية على المحرر الوجيز 277.
(2) انظر السيوطى. الإتقان 1/ 169وابن أبى داود. كتاب المصاحف ص 19وانظر: أيضا مناقشتنا لهذه الرواية وردنا على المستشرقين في الباب الأول من رسالتنا للدكتوراه المشار إليها سابقا.
(3) الإتقان 1/ 171.
(4) الزركشى. البرهان في علوم القرآن 1/ 217.
(5) المصدر نفسه 1/ 218.