فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 386

هذا الاضطراب الشديد في الروايات كفيل وحده بإسقاطها، هذا مع ملاحظة أن عبارة (بما قضيا من اللذة أو الشهوة) يبدو عليها أنها تفسيرية إلحاقية، ثم إن التلفظ بها هكذا غير لائق بمقام السيدة عائشة الدينى، وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما آخذين في الاعتبار أن العقوبة إنما شرعت لانتهاك العرف وتعدى حدود الله لا بسبب الشهوة أو اللذة في نفسها أخرج الحاكم وابن جرير وصححه أن عمر قال: لما نزلت (أى هذه الآية المزعومة) أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبها، وفى نسخة كنز العمال = أكتبنيها =. فكأنه كره ذلك. وفى الإتقان بتخريج النسائى أن مروان قال لزيد بن ثابت ألا تكتبها في المصحف قال ألا ترى أن شابين اثنين يرجمان؟ وقد ذكرنا ذلك لعمر فقال أنا أكفيكم فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب لى آية الرجم، فقال = لا تستطيع =، وفى رواية كنز العمال = لا أستطيع = وقال عمر: = ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وإن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم = كيف بتردد عمر في هذا الشأن ويكون تعليقه على الآية هكذا حسب الرواية؟ ثم كيف يرفض النبى صلى الله عليه وسلم أن يمليها على عمر ليكتبها أو يأذن له في كتابتها مع أنه صلى الله عليه وسلم كان حريصا جد الحرص على كتابة ما ينزل عليه من الوحى؟ وكيف يجرؤ ابن الخطاب على الإدلاء بهذا التصريح الخطير بعد أن لم يأذن له

رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابة الآية المزعومة فيقول حسبما أسندوه إليه (فى الموطأ، والمستدرك) أنه قال قبل موته بأقل من عشرين يوما: = لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها = وبرواية الترمذى عن سعيد بن المسيب عن عمر = رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم أبو بكر ورجمت ولولا أنى أكره أن أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف =.

هذا مع أن القرآن كان قد استقر عليه الصحابة بالإجماع وكان عمر نفسه أحد الأعمدة المعدودة في جمعه وحفظه. فهل كان عمر يعتقد في قرآنيتها ومنعه الخوف فقط وهو الشجاع الجسور في الله تعالى وفى الحق، أن يضمها لكلام الله في المصحف؟ هذا غير معقول لو كان عمر يعتقد ذلك لعرضها على زيد بن ثابت أثناء جمع القرآن لا بعده، وكيف ينتظر خليفة المسلمين حتى يحضره الأجل فيصرح به مع أن روايات جمع القرآن تخلو من الإشارة إلى هذه الفقرة إلا ما كان من رواية النسائى المذكورة والتى لا ترقى إلى رتبة الدليل، هذا فضلا عما تتضمنه من إنكار قرآنية آية الرجم.

وكلام عمر يفيد بوضوح أنه كان متيقنا أن آية الرجم لم تكن من كلام الله بدليل قوله نصا = لولا أنى أكره أن أزيد في كتاب الله لكتبته في المصحف =. فآية الرجم إذن زائدة على كلام الله، وليست من كتاب الله بنص كلام عمر، وإذن فكيف توضع في المصحف؟، ثم إن كلمة = لولا أن يقول الناس = في الرواية الأولى و = لولا أنى أكره أن أزيد في كتاب الله = في الرواية الثانية متناقض، ففي الأولى كانت خشية الناس هى المانع وفى الثانية علق عمر الامتناع على كراهيته هو شخصيا للفعل أى أنه لم يبال بالناس، وهذا تناقض.

وعمر ولا شك يعلم علم اليقين ما قال الله عن محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ الْأَقََاوِيلِ (44) لَأَخَذْنََا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ الْوَتِينَ} (46) ، وقول عمر: = لولا أن يقال زاد عمر في المصحف لكتبتها =، كما زعم رواتها قد يوهم أيضا أنه لم ينسخ لفظها، وإلا فكيف يدخل عمر على القرآن ما ليس منه كما لاحظ بحق الدكتور مصطفى زيد [1] لماذا هذا التنطع من واضع الحديث، ألا تكفى السّنّة في إثبات الرجم، كما يكفى القرآن في إثبات الجلد، وفى تقبيح شأن الزانى والزانية والسنة هى أحد المصدرين الرئيسين

(1) انظر: كتابه النسخ في القرآن. دار الفكر. 19631383ج 1ص 282281.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت