هذا أولا وأما ثانيا فإن قوله = وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله =، أو ما جاء في الرواية الأخرى: = أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم = [1] .
على أنه يمكن لنا أن نتساءل أيضا كيف يأمر ابن مسعود الناس هكذا بالإطلاق أن يحتفظوا بمصاحفهم، وهو بعد، لم يطالعها جميعا للتأكد من سلامتها، وبخاصة وأن ابن النديم يخبرنا أن محمدا بن إسحاق رأى عدة مصاحف ذكر نساخها أنها مصحف ابن مسعود، ليس فيها مصحفين متفقين، وأكثرها في رق كثير النسخ [2] .
أضف إلى ذلك رجوع ابن مسعود عن رأيه، واعتناقه لإجماع الصحابة على سلامة مصحف عثمان رضي الله عنه مصدرا وكتابة وما أورده صاحب = المبانى = من أن الصحابة كرهوا موقف ابن مسعود، على الرغم من إجماعهم على جودة ترتيله وحلاوة قراءته، وعتبوا عليه غضبه على عثمان وزيد بن ثابت رضى الله عنهم أجمعين، حتى لقد قيل إن عبد الله بن مسعود رجع عن رأيه وندم على ما قال واستحيا منه. روى أبو وائل هذه القصة ثم قال عقيبها، إن عبد الله استحيا مما قال، فقال: = ما أنا بخيرهم =، ثم نزل عن المنبر. وقالوا إن سبب عدم إثبات الفاتحة والمعوذتين في مصحفة كان بسبب شهرتها وحفظ الكبير والصغير، والرجال والنساء لها، ولما كان سبب كتابة المصحف هو الخوف عليه من الضياع، لم يكتبهما ابن مسعود لذلك، علما بأنه وجد من بين من قرأ عليه من أثبت هذه السور في مصحفه [3] .
(1) أو قوله: = والله لا أدفعه (يعنى مصحفه) أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم =. وحدث جرير عن الأعمش قال: قيل لعبد الله بن مسعود لم لم تكتب فاتحة الكتاب في مصحفك؟ قال = لو كتبتها لكتبتها مع كل سورة = قال أبو بكر الأنبارى يعنى أن = ركعة سبيلها أن تفتتح بأم القرآن قبل السورة المتلوة بعدها، فقال = اختصرت بإسقاطها، ووثقت بحفظ المسلمين لها ولم أثبتها في موضع فيلزمنى أن أكتبها مع كل سورة إذا كانت تتقدمها في الصلاة = وقع هذا على سبيل الاجتهاد من ابن عمر ولا نقول مع ذلك أنه أصاب هو وأخطأ جمهور المهاجرين والأنصار. انظر تفسير القرطبى 1/ 99وكتاب المصاحف ص 13وما بعدها.
(2) الفهرست ص 40.
(3) انظر: جفرى مقدمتان في علوم القرآن 93، 94.