فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 386

الكوفة وما قراءة زيد (يعنى قراءة مصحف عثمان) فيهم إلا كقراءة عبد الله (ابن مسعود) فيكم اليوم، ما يقرأ بها إلا الرجل والرجلان = [1] .

وما ساقوه من أخبار عن عبد الله بن مسعود بشأن موقفه من مصحف عثمان إنما فيه دليل على شدة تمسكه رضي الله عنه بقراءة تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غير لأنه لم يكن قد وصل إلى علمه إجماع الصحابة على كتابة المصحف الإمام بحسب العرضة الأخيرة، أي قراءة النبى صلى الله عليه وسلم على جبريل في آخر مرة قبل وفاته صلى الله عليه وسلم ولكنه لمّا عرف ذلك، رجع عن رأيه، ونزل على رأى جمهور الصحابة وذلك الرأي الذى سانده الإلهام ولم يخرج البتّة عن إطار الوحى، والذى كان ترجمة عملية لقوله تعالى:

{إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} (9) (الحجر: 9) . وليس يقدح تمسكه هذا في تواتر القرآن، ولا في صحة ما فعله عثمان رضي الله عنه وقد مرّ بنا كلام عبد الله بن مسعود في تحريم الابتداع في القراءة، وفى أن الخلاف بين المصاحف إنما كان خلافا يسيرا، وأنه كله وارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من فعل أحد غيره ولكى تتضح المسألة أكثر، نسوق هنا بعض الروايات التى بنوا عليها حكمهم، رووا أن شقيق بن سلمة قال:

خطبنا عبد الله بن مسعود على المنبر فقال: = ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة غلّوا مصاحفكم (أى أخفوها) حتى لا تحرقوها، وكيف تأمروننى أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله =؟ رواه النسائى وأبو عوانة وابن أبى داود.

هذه الرواية فيها ما ينقضها من داخلها بل إن فيها ما يؤيد القضية العامة التى بين أيدينا. أولا: كيف يستشهد ابن مسعود بقوله تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ الْقِيََامَةِ} (آل عمران: 161) فى غير موضعها، فالآية فيها ذم لا مدح، ونهى عن الغلول لا حث عليه، ومعنى الغلول، الخيانة، يقول الله تعالى: {وَمََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمََا غَلَّ يَوْمَ الْقِيََامَةِ ثُمَّ تُوَفََّى كُلُّ نَفْسٍ مََا كَسَبَتْ وَهُمْ لََا يُظْلَمُونَ} (161) .

(1) المصدر نفسه 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت