رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يجوز بالتالى الخروج عنها أو الابتداع فيها وقد ذكرنا كلام ابن مسعود بشأن مصحف عثمان، الذى أشار إليه المستشرقون، وبيّنّا أن معارضة ابن مسعود لمصحف عثمان قد قبلها المستشرقون واعتمدوا عليها دون تفنيد ودون قراءة لها في إطار السياق العام لروايات جمع المصحف. ويظهر من هذه الروايات أيضا كذب من زعم أن عبد الله بن مسعود كان يجيز قراءة القرآن بالمعنى، هذا محض افتراء [1] قال أبو شامة في المرشد الوجيز عن بعض الشيوخ: = إن القرآن أنزل أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التى جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلّف أحد منهم الانتقال عن لغته إلى لغة أخرى تجنبا للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيل فهم المراد = [2]
وأوضح بعض الشيوخ المسألة أكثر بقوله: = إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهى (أي) بأن أحد وجوه الكلمة بمرادفها في لغته بل المرعي في ذلك السماع من النبى صلى الله عليه وسلم =. يشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام في حديث الباب = أقرأنى النبى صلى الله عليه وسلم = [3] ، وكان عبد الله بن مسعود مبعوث عمر بن الخطاب إلى الكوفة يقرئهم بقراءته التى تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ أهل الكوفة القراءة عنه قبل أن يجمع عثمان والصحابة الناس على حرف واحد، وأخذها عنه خلق كثير حتى بعد وفاته، لم تزل في صحابته من بعده يأخذها عنهم الناس كعلقمة بن قيس النخعى (ت: 62هـ) ، والأسود بن يزيد (ت: 74هـ) ، ومسروق بن الأجدع (ت: 63هـ) ، وغيرهم [4] .
واستمرت قراءة عبد الله بن مسعود في الكوفة لفترة، ولكنها انحسرت من حيث انتشرت قراءة المصحف العثمانى، إذ كان عثمان قد أرسل بأبى عبد الرحمن السلمى، واسمه عبد الله بن حبيب إلى الكوفة ليقرئ الناس فمكث فيهم يعلمهم القرآن أربعين سنة، وقد أشرنا إلى أن عثمان قد أرسل نسخة من المصحف الإمام إلى الكوفة.
ومما يدل على شيوع القراءة العثمانية ما رووه عن الأعمش قال: = أدركت أهل
(1) ابن الجزري كتاب النشر ص 32.
(2) ص 16.
(3) السيوطى الإتقان 1/ 131وما بعدها، وعبده الراجحى اللهجات العربية في القراءات القرآنية ص 83وما بعدها.
(4) ابن مجاهد السبعة في القراءات ص 46، 67.