القرآن. يزعم برتون ومعه المستشرق شخت أن علمى الحديث والفقه قد أثّرا في عملية تزايد عدد الروايات الخاصة بجمع القرآن كما يدّعى أن هذه الروايات كانت من صنع المحدثين والفقهاء صنعوها بغرض تأييد ما ذهبوا إليه من القول بالناسخ والمنسوخ.
من خلال هذا الاستعراض التحليلي للروايات ظهر أن برتون لم يستطع أن يسوق الأدلة على صحة رأيه، كما أنه لم يسلك طريقة مقنعة في مناقشته للموضوع.
وبالرغم من هذا فإنه مما يحسب له أنه لم ينكر شخصية زيد بن ثابت نفسه كما فعل غيره من المستشرقين ولو فعل لما استكثرنا عليه ذلك.
إن روايات جمع القرآن كلها يربطها خيط واحد رفيع ومتين وهذا الخيط ينتهى بنا إلى الحقيقة الصارمة، وهى أن القرآن قد كتب في حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وأن كل وسائل الحفظ والضبط الممكنة قد استخدمت لتأمين النص القرآنى، وسلامة نقله، وأنه جمع في أول خلافة أبى بكر ثم في خلافة عثمان رضي الله عنه.
ونتساءل مع مولانا محمد على، كيف يستمر القرآن بدون ترتيب سواء بالنسبة للآيات أو بالنسبة للسور في حياة النبى صلى الله عليه وسلم؟ إن القرآن لم يكن يتلى فقط في الصلاة الجهرية والسرية، لكنه كان يحفظ في الصدور، ويكرر المرة بعد المرة خوفا من التفلت والنسيان.
فإذا لم يكن القرآن بالترتيب الذى بين أيدينا الآن فكيف كان يقرأ في الصلاة؟
وكيف كان يحكّم في الأمور ويضمّن في الخطب؟ إذا أمكن ذلك، وهو غير ممكن، إذن فكيف عبر الله عن القرآن بالكتاب؟ وقد كان أبو موسى وعبد الله بن مسعود وغيرهما يقرءونه آناء الليل وأطراف النهار، ويختمونه، ثم يعاودون قراءته من جديد وهكذا وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقرؤه لهم ويسمعه منهم وكان صلى الله عليه وسلم يقرؤه بترتيبه الذى بين أيدينا وكان صلى الله عليه وسلم يحدد السورة والآية في السورة للصحابة. وإن أيّ خطأ يحدث فى
قراءة القرآن، مهما كان يسيرا، يلاحظ ويصوب إذا ما أحدثه إمام الجماعة في الصلاة في آية ما، فإنه يجد ممن يصلون وراءه في الصفوف من ينبهه ويصوبه. هذا هو موقف المسلمين من القرآن حتى اليوم (1) .