لديه هو الصواب، وأن ما عند غيره، هو بالضرورة، الخطأ، ويلام المرء كذلك على إهمال قيمة الأدلة العلمية، وإهدار مدلولاتها من أجل تأييد نتائج وضعت مسبقا.
إننا لا نشك في صحة روايات جمع القرآن، لأن الأدلة على صحتها كثيرة ومتضافرة ووجود القرآن بنصه المنزل حتى اليوم خير شاهد على جهود المسلمين وجهادهم في حفظ القرآن. = والحقّ يدفع ترّهات الباطل = [1] .
ونعود مرة أخرى إلى هذه النقطة لنلقى بعض الضوء على دور عثمان بن عفان في جمع القرآن. ذكرنا فيما سبق، أن القرآن كان مبثوثا في الأمصار الإسلامية في الجزيرة العربية، ومصر، والبحرين، وعمان، واليمن، والعراق، وبلاد فارس، وغيرها.
وكانت المصاحف موجودة بكثرة في كل هذه البلاد وكان القراء يملئونها بأعداد لا يحصيها إلا الله تعالى [2] فلو قصد عثمان ما ادعوه، لما قدر عليه أصلا فقد كان في هذه البلدان عند موت الخليفة عمر رضي الله عنه، مائة ألف مصحف وأما القول بأن عثمان جمع الناس على مصحف واحد، وأمر بحرق ما عداه من المصاحف، فباطل إنما كتب عثمان المصحف الإمام، بإقرار من جميع الصحابة لسدّ الباب على المحرّفين والمبطلين من أن يشككوا في القرآن، وأيضا ليكون هذا المصحف بمثابة الحكم عند الخلاف والقاضى عند التنازع. وكانت القراءات المتعددة دائرة وسائرة بين المسلمين، وهى موجودة إلى اليوم، مضبوطة ومجموعة، وهى جزء من التنزيل بل إن القراءات الشاذة قد وجدت من يهتم بها ويجمعها [3] ، حتى ما ينسب إلى الرافضة من الزعم بتحريف عثمان رضي الله عنه للقرآن قد لا يكون صحيحا. وعلى الرغم من أن الروافض ليسوا من فرق المسلمين، فإن هذا القول المنسوب إليهم يحتاج إلى إعادة نظر إذ يصر بعض علماء الشيعة على تبرئتهم من اتهام عثمان بتحريفه للمصحف، ويعلن بعض أعلام
(1) شطرة من بيت ذكره ابن جنى في الخصائص 1/ 337.
(2) انظر: ابن حزم الفصل في الملل والنحل 2/ 79.
(3) الفصل 2/ 82وما بعدها.