فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 386

(أى عثمان) من تفاقم الأمر في ذلك، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم. وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر. فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على قراءة واحدة هى قراءة العرضة الأخيرة للقرآن ثم إن القراءات الأخرى لم تكن واجبة ولا ملزمة وإنما نزلت للتيسير [1] . كان جمع عثمان إذا بغرض جمع الناس على قراءة واحدة حسما لمادة الخلاف بينهم. وفى النص الذى سقناه أن الناس كانوا قد اختلفوا في القراءة لا في القرآن، لأنهم كانوا يقرءون بالحروف المتعددة، وهى مما نزل به جبريل أيضا لتيسير حفظ القرآن في أول الأمر، وكان قصد عثمان هو جمع الناس على القراءة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة وجمعهم على مصحف واحد، لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا منسوخ تلاوته مع مثبت، ولا تأويل ولا تفسير، وذلك لأن بعض من كانوا يكتبون القرآن كانوا يثبتون أيضا تفسير الآية بهامش صحفهم أو مصاحفهم، وذلك خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتى بعدهم.

ويزيدنا المحاسبى بيانا في هذا الموضوع فيقول إنه لما خشى عثمان الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات حمل الناس على قراءة واحدة بمعرفة من شهد التنزيل من المهاجرين والأنصار فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف (أى مصاحف بعض الصحابة التى كتبوها لأنفسهم) مكتوبة بوجوه من القراءات المعلقات على الحروف السبعة التى نزل بها القرآن. وقد قال على: = لو وليت لعملت بالمصاحف عمل عثمان بها = [2] وهو القائل أيضا: = أعظم الناس في المصاحف أجرا = أبو بكر، رحمة الله على أبى بكر، أول من جمع كتاب الله [3] . وأخرج ابن أبى داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال على: = لا تقولوا في عثمان إلا خيرا. فو الله ما فعل الذى فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغنى أن بعضهم

(1) ابن جرير الطبرى جامع البيان في تفسير القرآن (بيروت دار المعرفة 1392هـ 1972م) ج 1والسيوطى الإتقان 1/ 140، 142.

(2) المصدر نفسه 172171.

(3) البخارى. خلق أفعال العباد ضمن عقائد السلف ص 178. والزرقانى. مناهل العرفان 1/ 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت