وهذا يدل على حيطة عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت الشديدتين بالقرآن حيث كانا لا يكتفيان بمجرد وجود الآية مكتوبة، حتى يشهد عليها من تلقاها سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغى أن ننسى أن زيدا كان يحفظ القرآن كله ولهذا السبب تم اختياره للقيام بجمع القرآن.
قال السخاوى في جمال القراء في طبيعة هذا الإشهاد: = يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أنه من الوجوه التى نزل بها القرآن =.
وقال أبو شامة (ت: 695) : = إن غرضهم أن لا يكتبوا إلا من عين ما كتب بين يدى النبى صلى الله عليه وسلم لا من مجرد الحفظ =. قال: = ولذلك قال زيد في آخر سورة التوبة، لم أجدها مع غيره، بمعنى أنه لم يجدها مكتوبة مع غيره، لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة =.
وإلّا لاستطاع زيد رضي الله عنه وحده أن يمليه كله من حفظه ومعنى هذا الكلام أن الشهادة كانت تكلّف لإثبات أن هذه الآية أو تلك كانت مما كتب في حضرة النبى صلى الله عليه وسلم وهذا يعنى من جانب آخر أن الصحابة كانوا يجمعون على أن القرآن قد كتب كله بين يديه صلى الله عليه وسلم، وأنهم اجتهدوا غاية الاجتهاد في ألا ينال القرآن تحريف ويعتبر حديث جمع أبى بكر للقرآن لأول مرة هو الأصل في الباب، الذى ينبغى أن ترد إليه جميع الأقوال، وتصحح عليه كل الروايات.
أخرج ابن أبى أشتة في = المصاحف = عن الليث بن سعد، قال: = أول من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدى عدل = الحديث.
وقد مرّ بنا قول الحارث المحاسبى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابة القرآن أولا بأول وأنه كان يستوثق بنفسه من سلامة نقل كتّاب الوحي وأن القرآن كان مكتوبا في الرقاع والأكتاف والعسب وأن أبا بكر هو الذى أمر بنسخه من هذه المواد المتفرقة إلى الصحف فصار مجموعا.
وفى موطأ ابن وهب عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عمر قال: جمع أبو بكر القرآن في قراطيس وكان سأل زيد بن ثابت في ذلك فأبى حتى استعان بعمر ففعل [1] .
(1) السيوطى. الإتقان. ص 168، والزركشي. البرهان 1/ 240233.