أولا: دعواه بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان قد شرع في كتابة القرآن، لكن مشاغل الدولة كانت قد حالت بينه وبين تحقيق هذا الغرض بصورة كاملة، وأنه إنما ترك المهمة برمّتها لكتّاب الوحى كلام سقيم وغير مستقيم، فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يحفظ القرآن الذى ينزل عليه، يصلى به ويحكم به، ويرتله، ويعلمه، ويدارسه، ويسمعه من غيره، ولم يشغله شىء البتّة عنه، لا الدولة ولا غيرها بل إن القرآن كان هو دستور الدولة وقانون حاكمها ورعاياها. وكيف ينشغل النبى صلى الله عليه وسلم عن القرآن، وبالقرآن عقدت نبوته، وتمت عصمته، وجرت معجزته، وتأسست دولته، واشتهرت أخلاقه، وطارت دعوته في الخافقين، ودان الأبيض والأسود برسالته.
كان القرآن محفوظا في حياته صلى الله عليه وسلم في صدور الناس، ومكتوبا على ما تسنى لهم من مواد، كالصحف والجريد والظرر (الحجارة الصغيرة المدورة، جمع = ظرار =) ، وفى اللخاف وعلى الخزف والحرير وقطع الأديم.
قال الحاكم في المستدرك: = جمع القرآن ثلاث مرات، مرة بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم =.
وأورد في ذلك حديثا، أخرجه بسنده على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: = كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع الحديث) [1] .
وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى، في كتاب = فهم السنن =:
= كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها القرآن منتشر، فجمعها جامع، وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء =.
وقال محمد بن إسحاق في = الفهرست =: = وكان القرآن مكتوبا بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللخاف والعسب وأكتاف الإبل = [2] . روى العياشى من كبار محدثى الإمامية في تفسيره قال على كرم الله وجهه: = إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانى إذا واريته في حفرته،
(1) الإتقان ج 1ص 168. ابن عطية المحرر الوجيز ج 1ص 53، 54، والزركشى. البرهان في علوم القرآن ج 1ص 236 238وابن النديم. الفهرست ص 41.
(2) الفهرست ص 41.