وجد إلى النفس البشرية طريقا فدلف إليها يوسوس بهواجس اليأس والإحباط لصرف الرسل عن هداية البشر، فيأتى العون من الله تعالى لأنبيائه فينسخ أي يزيل هذه الهواجس التى ألقاها الشيطان في طريق تمنيهم، ويحكم الله آياته بمعنى قوانينه وسننه التى لا تتخلف في نصرة أهل الحق ودحر أهل الباطل، فينشط الأنبياء، وتزداد عزائمهم قوة، وخطاهم مضاء على صراط الحق، يؤيد هذا قوله تعالى: {حَتََّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جََاءَهُمْ نَصْرُنََا فَنُجِّيَ مَنْ نَشََاءُ وَلََا يُرَدُّ بَأْسُنََا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (110) (يوسف: 110) ومعنى = فظنّوا = أنهم قد كذبوا = أى أن أتباع الرسل قد استيأسوا من قومهم أن ينصروه، وأن المرسل إليهم قد ظنوا أن الرسل قد كذبوا فالظن لأتباع الرسل لا للرسل أنفسهم ومن هذا أيضا قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتََّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى ََ نَصْرُ اللََّهِ أَلََا إِنَّ نَصْرَ اللََّهِ قَرِيبٌ} (214) (البقرة: 214) .
وينبغى أن ننبه على ملحوظة مهمة في قوله تعالى: {وَمََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلََا نَبِيٍّ إِلََّا إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى الشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللََّهُ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللََّهُ آيََاتِهِ وَاللََّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (52) (الحج: 52) وهو أن معنى الآية على توجيه المفسرين أن إلقاء الشيطان في القراءة أثناء قراءة النبى صلى الله عليه وسلم غير خاص بمحمد صلى الله عليه وسلم بل عام وشامل لجميع الرسل والأنبياء بنص الآية، على أن المفسرين أو المؤرخين لم يقدم لنا ولو مثلا واحدا على إلقاء الشيطان في أمنيات الأنبياء والرسل السابقين، بل كادوا أن يخصوا محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا وحده من دون الأنبياء والرسل، وهذا التخصيص لا مبرر له ولا سند أما إذا فسرنا = تمنى = بمعنى رغب وأراد فلن يكون ثمة مجال لهذا الإشكال، لأن جميع الأنبياء والرسل تمنوا الهداية لأقوامهم، وقد اعترض الشيطان أمنياتهم، ولكن الله تعالى أزال ذلك بشرح الصدر، وتقوية العزم وعلى هذا التوجيه يكون معنى قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ مََا يُلْقِي الشَّيْطََانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقََاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} (الحج: 53) . أما ما يلقيه الشيطان من وساوس ومثبطات فتنة و = الفتنة = الشيء المغري بفعل الشر، أو هو السبب إليه، والفتنة الحرب، وبينهم فتنة أي حرب وهم يتفاتنون أي يتحاربون والفتّان هو الشيطان، وجمعه فتّان، شياطين. [1]
(1) الزمخشري. أساس البلاغة ص 604.