القرآن. وبنفس الرؤية المضطربة، ينظر ويلش إلى قوله تعالى: {وَقََالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذََا إِلََّا إِفْكٌ افْتَرََاهُ وَأَعََانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جََاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا} (4) (الفرقان: 4) إن الكاتب يبنى هنا، على رأى الخصوم، ويعتمد عليه اعتمادا جازما، ويهمل اعتقاد أهل العلم من المسلمين بل ويهمل الدليل الإلهى الدامغ، ويغفل رد القرآن نفسه على خصوم القرآن، وكأن الخصوم هم الطرف الأصدق في القضية، وهذا تحيز بلا شك ومصادمة لأصول البحث العلمى.
نقول لو أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان قد كتب بعض آيات القرآن الكريم بيده الشريفة، لتسابق الصحابة إلى حفظها بعينها، وتوارثوها، ولبقيت مع ما بقى من آثاره صلى الله عليه وسلم، ولكنّ شيئا من ذلك لم يسجله كتّاب السيرة. ونجد من الواجب علينا، أن ننبه إلى عدم دقة الكاتب في استعمال كلمة ، ومعناها التحقيق بالنسبة للقرآن، والتى توحى بأن كتّاب الوحى من الصحابة كانوا يقومون بتنقيح النص، والتصرف فيه كما هو الحال بالنسبة لكتب اليهود والنصارى وهذا شىء مستبعد تماما بالنسبة للقرآن. لقد كان كتّاب الوحى يكتبون ما يسمعون من رسول الله مباشرة ثم يطلب منهم الرسول، أن يقرءوا عليه ما كتبوا، ليستوثق من ضبطهم، ويتأكد من سلامة كتابة النص القرآنى المكتوب من التحريف هذا بالإضافة إلى أن القرآن كان محفوظا في الصدور، من الكبار والصغار، والرجال والنساء من المسلمين، كما أشرنا إليه من قبل.
إن الكاتب محكوم هنا بعقيدته وخبرته النقدية للكتاب المقدس متجاهلا للأسف الفروق الجوهرية بين الكتابين فالقرآن، بعكس كتب اليهود والنصارى، قد حفظت آياته لأول وهلة، وقد ثبت بالدليل القطعى بالنقل المتواتر أن الجمّ الغفير من المسلمين كانوا يحفظونه كله أو معظمه، في حياة النبى صلى الله عليه وسلم، وبعد مماته. ولقد انتشرت الكتاتيب، وانتشر المحفّظون في كل مكان داخل الجزيرة العربية وخارجها وقد كان القرآن مبثوثا في أيدى الناس دون تمييز، يحفظونه كما جاء به جبريل عن الله، وكما بلّغه محمد صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام بغير اختلاف، اللهم إلا فيما أملته لهجات القوم في طريقة الأداء مما تخصصت في عرضه كتب القراءات [1] . هذا بخلاف التوراة وكتب الأنبياء والأناجيل التى
(1) انظر محمد أبو ليلة رسالة دكتوراة (المملكة المتحدة اكستر 1984) ، وكتاب تحت الطبع، وابن النديم كتاب الفهرست لبنان دار المعرفة ص 53.