فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 386

وللقاضى عبد الجبار المعتزلى أيضا توجيه قيّم لهذه الآية، إنه يؤكد، مع جماعة المفسرين، أن طلب العبادة والاستعانة لا يكون من الله لنفسه، ولكن معناه قولوا: {إِيََّاكَ نَعْبُدُ} وخلو الصورة من الأمر فيه تقرب من الله تعالى لعباده وتقريب لهم [1] . والآيات التى أشارت إلى الله بضمير الغائب مثل (ربك، وربكم، وربهم) ليس فيها ما يخرجها عن كونها قرآنا.

وهذا من أساليب القرآن المعجزة، يلوّن الله فيها الخطاب وينوع في الأساليب بحيث تنجذب إليه النفوس، فلا تملّه، وتهفوا نحوه القلوب فلا تنصرف عنه.

ونلاحظ هنا أن الكاتب يقيس القرآن على منوال النقد الغربى، ويحكّم فيه المعايير النقدية التى طبّقت على كتب العهدين القديم والجديد في العصر الحديث، متجاهلا الظروف والأوضاع المختلفة لكلّ من الكتابين فالقرآن مثلا هو كلام الله، تلقاه محمد صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام عن رب العالمين وحفظه. وكتب في حياته، وحفظته الأمة صغارا وكبارا، نساء ورجالا، عربا وغير عرب ودانت به وأحاطته بكل رعاية وعناية وأوسعته حفظا ودراية عكس التوراة، وكتب الأنبياء، والأناجيل التى ضاعت أصولها، وفقدت أعيانها ثم كتب بعد ذلك ما استنقذ منها أو قريب منه، بأيد مختلفة، وفى أزمنة مختلفة، وفى أماكن متفرقة وهذه الكتب، بوصفها الحالى، يمكن أن تخضع بسهولة، لمقياس النقد الحديث بل إنه ينبغى عرضها على تلك الموازين النقدية هذا صحيح بالنسبة لهذه الكتب ولكنه غير صحيح بالمرة بالنسبة للقرآن الذى حفظته الأمة، وتأسست به الملة، وقامت على قواعده الدولة، وحفظه العربى والعجمى في لغته الأم = العربية =. وبالنسبة لتعليق الكاتب على الآيات التى تخير بأن الله لم يكلم رسله مباشرة، يدل على أنه لم يفهم معناها إذ أن كلمة = روح = في الآية، تعنى القرآن، كما أشرنا إليه من قبل وقد عبر الله عن = القرآن = ب = الروح = لأنه يصل إلى الأرواح، ويتخلل القلوب، وأيضا فإن فيه مناسبة للقرينة، إذ الكلام عن لطيف الاتصال بين الله تعالى وملائكته ورسله، عن طريق الوحى، أو الخطاب الربانى فناسب أن يعبر عن = القرآن = ب = الروح = مراعاة للسياق اللفظى، والقرآن نفسه لا يدع لأحد مجالا للشك في أنه كلام الله سبحانه وتعالى، وأنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بسفارة جبريل عليه السلام، والأحاديث كثيرة في تأكيد هذا المعنى وفى طريقة تلقّى محمد صلى الله عليه وسلم للقرآن وكيفيته، كلام كثير للعلماء لا يتسع المقام لذكره هنا تفصيلا ولكننا نكتفى هنا بتقديم بعض الأمثلة.

(1) القاضى عبد الجبار. تنزيه القرآن عن المطاعن ص 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت