قال الطيبي = لعل نزول القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم، أن يتلقفه الملك من الله تعالى تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلى الرسول ويلقيه إليه = [1] .
وقال البيهقى في معنى قوله: {إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (1) أى = إنا أسمعناه الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع = وكان جبريل عليه السلام يأتى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن أحيانا، في مثل صلصلة الجرس لخفق أجنحته، ليكون أدعى إلى تهيئته صلى الله عليه وسلم بما يلقى إليه أو أن ينفخ الملك في روعه أو أن يأتيه ملك الروح، في صورة الرجل فيكلمه في اليقظة أو في المنام، فيعى عنه الرسول ما قال أو أن يكلمه الله في اليقظة من وراء حجاب، أو بالكيفية التى يعلمها الله تعالى.
وبهذا يتبين أنه لا تعارض ولا اختلاف بين الآيات التى تتحدث عن الطريقة التى يوحى بها الله إلى الأنبياء ويكلمهم من خلالها، وبين الآية التى تنزّه الله تعالى عن المخاطبة بكيفية أو تحيّز [2] . وعرفنا من أنواع التنزيل ومقامات الوحى أن الله يلقى إلى الملاك بالكلام ثم يلقيه الملاك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد يكلم الله الأنبياء من وراء حجاب، أو عن طريق النّفث في الروع، أو الفؤاد وبهذا يتبين ضعف رأى الكاتب، وتهافت ما توصل إليه من نتائج بل لقد أثبتنا بالبراهين القاطعة، عكس ما قال إن الملائكة شهدت الوحى وأن جبريل بلغه عن الله منذ نزل، بنص قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (1) وفى القرآن شواهد كثيرة على ذلك منها، على سبيل المثال لا الحصر، قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلََائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهََا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} (4) (القدر: 4) ، وقوله تعالى: {اللََّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلََائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النََّاسِ إِنَّ اللََّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} (75) (الحج: 75) ، فالملائكة رسل إلى أنبياء الله وأنبياء الله رسل إلى الناس.
(1) السيوطى: الإتقان ج 1ص 166.
(2) سيرة ابن هشام ج 1ص 221220، والإتقان ج 1ص 130129، والبخارى خلق أفعال العباد بعقائد السلف ص 187.