أرد نفسي عن ذلك الخاطر حتى سافرت إليه تصديقًا لقوله لا بد من الاجتماع مرة أخرى، فدخلت عليه فوجدته محتضرًا ففتح عينيه، وقال: أسأل الله أن لا يخليك من نظره، ولا من رعايته طرفة عين، وأن يسترك بين يديه ثم توفي تلك الليلة، ودفن في غفلة من الناس، واقتتل الناس على النعش، وذهلت عقولهم من عظم المصيبة بهم فإنه كان معدًا لتفريج كربهم ساعيًا في إرشادهم لخير دنياهم، وخير أخراهم، رضي الله عنه ورحمه.
رضي الله عنه
كان من الأخلاق النبوية على جانب عظيم، وكان كثير التواضع، والازدراء لنفسه، وجاءه مرة شخص يطلب الطريق فقال: يا أخي النجاسة لا تطهر غيرها، وجاءه رضي الله عنه شخص مرة بجبة صوف، وقال: يا سيدي: اقبل مني هذه الجبة لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها الليلة، وقبلني على صدري، وأنا لابسها فأبى الشيخ، وقال شيء مسه النبي صلى الله عليه وسلم لا أقدر على لبسه خوف أن يقع مني معصية، وأنا لابسها، ولكن نتبرك بها فمسح بها على وجهه وردها على صاحبها، وكان رضي الله عنه يربي من كان عنده دعوى بالمسارقة فيقرأ عليه شيئًا من أحوال القوم ثم يصير يورد عليه الأسئلة، ويعطف عليه بالجواب بحيث يظن أن ذلك الفقير هو الشيخ، والشيخ هو المريد، وجاءه شخص من اليمن فقال أنا مأذون لي في تربية الفقراء من شيخي، فقال: الشيخ عبد الحليم الحمد لله الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن الشيخ جاء عندنا فتلقن على اليماني، ولم يكن بذاك، وكان الشيخ يعلمه في صورة المتعلم إلى أن كمله وزاد حاله ثم كساه عند الفسر، وزوده، وصار يقبل رجل اليماني، ويقول: صرنا محسوبين عليكم، ولقيه رجل من أرباب الأحوال، وكان مشهورًا بالكرامات، فقال: يا عبد الحليم أنت مسكين ما كنت أظن مع هذه الشهرة أنك عاجز هكذا ثم قبض هو دراهم من الهواء، وأعطى الشيخ عبد الحليم فأثر ذلك في سيدي الشيخ عبد الحليم ثم قال له: يا عبد الحليم اشتغل بالله تعالى حتى تصير الدنيا في طوعك هكذا، فانقطع الشيخ عبد الحليم في الخلوة تسعة شهور يقرأ في الليل ختمًا، وفي النهار ختمًا ثم خرج ينفق من الغيب إلى أن مات، وأقمت عنده في زاويته نحو سبعة، وخمسين يومًا رأيت الفقراء احتاجوا إلى شيء إلا ويخرج لهم من كيس صغير كعقدة الإبهام جميع ما يطلبونه ورأيته بعيني قبض منه ثمن خشب من دمياط نحو خمسين دينارًا، وكان رضي الله عنه لا يسأله فقير شيئًا إلا أعطاه حتى يخرج بعمامته وجبته فيرجع بالفوطة في وسطه، وعمر رضي الله عنه عدة جوامع في البحر الصغير، وله جامع بالمنزلة فيه فقراء، ومجاورون، وفيه سماط على الدوام، ومارستان للضعفاء من الفقراء، والغرباء والمستضعفين، وكراماته كثيرة مشهورة في بلاده رضي الله عنه. مات رحمه الله سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة، وكان رضي الله عنه لا يخصص نفسه بشيء من الهدايا الواصلة إليه بل أسوته بأسوة الفقراء في ذلك، واجتمع عنده في زاويته نحو المائة نفس، وهو يقوم بأكلهم، وكسوتهم من غير وقف إنما هم على ما يفتح الله عز وجل، ولما وقف الناس عليه الأوقاف أخبرني أن الحال ضاق على الفقراء، وقال: تعرف سببه؟ قلت: لا فقال: لركون الفقراء إلى المعلوم من طريق معينة، وكانوا قبل ذلك متوجهين بقلوبهم إلى الله تعالى، فكان يرزقهم من حيث لا يحتسبون، ومن مناقبه أني نصب عليه شخص مرة وأخذ منه أربعمائة دينار يبني بها بئر ساقية، ويجعل عليه سبيلًا في طريق غزة، وقال: إن الناس محتاجون إلى ذلك فأخذ الفلوس تزوج بها، وفتح له دكانًا بها فلما استبطأه الشيخ أرسل خلفه جماعة فأخرج لهم إبريق ماء حلو، وقال: لهم هذا من ماء البئر والناس يدعون للشيخ كثيرًا فلما ورد على الشيخ جماعة مسافرون سألهم عن البئر فقالوا ليس هناك شيء، فأرسل يطلبه، فجاء فقال له: الشيخ ما فعلت بالفلوس، فقال: للشيخ الماء الذي أرسلته لك في الإبريق، وقلت إنه من البئر فإن هذا الكلام لا حقيقة له، وإني تزوجت بالفلوس، فأراد الفقراء حبسه، فمنعهم الشيخ، وقال: الدنيا كلها لا تساوي إرعاب مسلم، وخلي سبيله، وكان رضي عنه شديد المحبة لي حتى قال لي: مرة لا أحب أحدًا في مصر مثلك أبدًا، رضي الله عنه، وأرضاه، ورحمنا به آمين.
رضي الله تعالى عنه
كان رضي الله عنه من أرباب الأحوال، ومن الملامتية، وكان رضي الله عنه يتعاطى أسباب الإنكار عليه قصدًا، فإذا أنكر عليه أحد عطبه، ورأيته خارج باب الشعرية، وهو يقول: الخادمة أيش قلت: من يخلي هذا الرجل هراره في رجليه يعني الشيخ عبد القادر الدشطوطي، فلما مر