في تلك الجزيرة التي في وسط البركة فمضى هو والنقيب، وقال اكشف، وكل فوجده النقيب كله خنفسًا فقال كل فقال لهذا خنفس فقال أتلومني على عدم إطعامكم الخنفس كل يوم. قال الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رضي الله عنه ولما دفناه في تربة خشقدم كان من جملة الحاضرين سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه فقال: وعزة ربي ما رأيت أصبر منه نازلا في قطعة من جهنم، وما فيه من شعرة تتغير رضي الله تعالى عنه.
رضي الله تعالى عنه
كان من أصحاب الدوائر الكبرى في الولاية، ولم يكن له شيخ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يبيع الحمص المسلوق بالقرب من جامع الأمير شرف الدين بالحسينية من القاهرة المحروسة، وكان يرى النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا في المنام فيخبر بذلك أمه فتقول: يا ولدي إنما الرجل من يجتمع به في اليقظة فلما صار يجتمع به في اليقظة، ويشاوره على أموره قالت له الآن قد شرعت في مقام الرجولية، وكان مما شاوره عليه عمارة الزاوية التي ببركة الحاج فقال يا إبراهيم عمر ها هنا، وإن شاء الله تعالى تكون مأوى للمنقطعين من الحاج، وغيرهم، وهي دافعة البلاء الآتي من الشرق عن مصر فما دامت عامرة فمصر عامرة، ولما شرع في غرس النخل بالقرب من البركة لم يصح له بئر فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: غدًا إن شاء الله تعالى أرسل لك علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعلم لك على بئر نبي الله شعيب التي كان يسقي منه غنمه فأصبح فوجد العلامة مخطوطة فحفر فوجدها، وهي البئر العظيمة بغيطه إلى الآن.
وأخبرني الشيخ جمال الدين يوسف الكردي رضي الله عنه أن الغلاء وقع أيام السلطان قايتباي حتى اجتمع عند الشيخ في الزاوية نحو من خمسمائة نفس فكان كل يوم يعجن لهم ثلاثة أرادب، ويطعمها لهم من غير إدام فطلب الناس منه أدمًا فقال للخادم اذهب إلى الخص الذي في النخل فارفع الحصير الخوص، وخذ حاجتك فذهب ورفع الحصير فوجد قناة تجري ذهبًا، وفضة من علو نازلة في السفل فأخذ منها قبضة فاشترى بها ذلك اليوم أدمًا فقال: النقيب يا سيدي إذا كان الأمر كذا دستورك نوسع على الناس فقال ما ثم إذن فذهب الخادم من وراء الشيخ فلم يجد القناة فحفر فلم يجد شيئًا، ولما سافر إلى القدس زار السيدة مريم عليها السلام بنت عمران فقرأ عندها ختمًا تلك الليلة فرأى بعض القراء سيدنا عيسى عليه السلام، وهو يقول: سلم لنا على إبراهيم.
وقل له جزاك الله عنه وعن والدته خيرًا، وأخبرني الشيخ جمال الدين يوسف أيضًا قال اشتقت إلى أهلي بحصن كيفا من بلاد الأكراد فشاورت الشيخ، وإن ذلك بعد العصر فقال إن شاء الله يكون فدخلت الخلوة أقرأ ورد العصر فرأيت نفسي داخل بلدي، والناس تسلم علي، وشالوا الأعلام قدامي فدخلت دارنا فسلمت على أمي وأبي، ومكثت عندهم أخطب في الجامع، وأقرئ أطفالا مدة تسعة شهور فقوي اشتياقي إلى الشيخ فشاورت، والدي، ووالدتي فأذنا لي فخرجت إلى موضع خارج البلد فأذنا لي في خلوتي ببركة الحاج فخرجت لأسلم على إخواني فلم يسلموا علي فأخبرتهم بسفري فقالوا: يوسف حصل له جنون فعلم الشيخ بذلك فقال: اكتم يا ولدي ما معك ثم بعد ثلاث سنين جاءت والدته بصحبة والده وقالا يا سيدي لولا خاطرك ما خلينا يوسف يجيء إلى سنة.
قلت، وهذه القصة من مسائل ذي النون المصري، وهي تشبه مسألة الجوهري الذي غطس في البحر فرأى نفسه ببغداد فتزوج، وجاء بالأولاد ثم رفع رأسه فإذا هو عند ثيابه بساحل الذيل بمصر فخرج في الحس ما كان في عالم الخيال، وكان هدا الشيخ يوسف من عباد الله الصالحين، وكان يذكر أنه يجتمع بالخضر عليه السلام كثيرًا فكانت لوائح الصدق ظاهرة على وجهه، وكان يقرأ القرآن بالسبع، وحدثني بهذه القصة في كماله، وعقله رضي الله عنه، ولما اجتمع عنده بنو حرام في زاويته خوفًا من بني وائل أرسل الشيخ لبني وائل قاصدًا يأمرهم بالصلح فقالوا: أيش للمتبولي في هذا يروح يقعد هو وصغاره في الجبل والله لا نرجع حتى نسقي خيلنا من حيضان المدينة فقال: الشيخ، وعزة ربي ما عادت تقوم لبني وائل رأس إلى يوم القيامة فهم إلى وقتنا هذا تحت حكم بني حرام.
وكان سيدي إبراهيم رضي الله عنه مبتلي بالإنكار عليه من كونه لم يتزوج، وكان رضي الله عنه يقول: ما في ظهري أولاد حتى أتزوج بقصدهم ومكث نحو الثمانين سنة حتى مات لم يغتسل قط من جنابة لأنه لم يحتلم قط، وكان إذا جاءه الشاب، وشهوته ثائرة عليه يقول: له تطلب لك مدة، إلا دائمًا فإن قال أريد مدة حتى أقدر على مؤنة التزويج يقول له خذ هذا الخيط فشد به وسطك فما دام معك