فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 334

العباس الغمري.

وسيدي محمد بن عنان فاشتد الحر علينا، ونزل الشيخان، وجلسا بين حمارتين، ونشرا عليهما بردة من الحر فعطش سيدي أبو العباس الغمري رضي الله عنه فلم يجد ماء فأخذ سيدي محمد بن عنان طاسة، وغرف بها ماء من الأرض، وقدمه لسيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه فلم يشربه، وقال: يا شيخ محمد الظهور يقطع الظهور، فقال: وعزة ربي لولا خوفي الظهور لتركنها عينًا يشرب الناس، والدواب منها إلى يوم القيامة، وكان ذلك ببلاد الشرقية بنواحي صنضبسط هذه حكاية الشيخ أمين الدين رضي الله عنه بلفظه، وكان من الصادقين.

وحكى لي الشيخ بدر الدين المشتولي رحمه الله قال: سمعت سيدي عبد القادر الدشطوطي رضي الله عنه يقول: إن الشيخ محمد بن عنان رضي الله تعالى عنه يعرف السماء طاقة طاقة، وأخبرني سيدي الشيخ شمس الدين الطنيخي رحمه الله تعالى صهر سيدي محمد بن عنان أن شخصًا أكولا نزل مع الشيخ محمد رضي الله عنه وهم في مركب مسافرين نحو دمياط فأخبروا سيدي محمدًا رضي الله عنه أنه أكل تلك الليلة في المركب فرد سمك فسيخ، ونحو قفة تمر فدعاه سيدي محمد رضي الله عنه.

وقال له: اجلس، وقسم رغيفًا نصفين، وقال كل وقل بسم الله الرحمن الرحيم فشبع من نصف الرغيف، ولم تزل تلك أكلته لم يزد على نصف الرغيف حتى مات، فجاء أهله، وقالوا للشيخ جزاك الله عنا خيرًا خففت عنا، وأخبرني سيدي الشيخ أمين الدين رحمه الله تعالى أمام الغمري أيضًا أن شخصًا في مقبرة برهمتوش كان يصيح في القبر كل ليلة من المغرب إلى الصباح، فأخبروا سيدي محمدًا رضي الله عنه بخبره فمشى إلى المقبرة وقرأ سورة تبارك ودعا الله تعالى أن يغفر له فمن تلك الليلة ما سمع له أحد صياحًا فقال: الناس شفع فيه الشيخ.

وكان رضي الله عنه وقته مضبوطًا لا يتفرغ قط لكلام لغو، ولا لشيء من أخبار الناس ويقول كل نفس مقوم على بسنة، وكان يتهيأ لتوجه الليل من العصر لا يستطيع أحد أن يخاطبه إلى أن يصلي الوتر فإذا صلى قام للتهجد لا يستطيع أحد أن يكلمه حتى يضحى النهار، وكان هذا دأبه ليلا ونهارًا شتاء وصيفًا، وكنا ونحن شباب في ليالي الشتاء نحفظ ألواحنا، ونكتب في الليل، ونقرأ ماضينا، وهو واقف يصلي على سطح جامع الغمري ثم ننام، ونقوم فنجده قائمًا يصلي، وهو متلفع بحرامه فنقول هذا الشيخ لا يكل، ولا يتعب هذا، والناس من شدة البرد تحت اللحف لا يستطيعون خروج شيء من أعضائهم، وسمعت سيدي محمدًا السروي شيخ الشناوي يقول: ما رأت عيني أعبد من ابن عنان، وكان رضي الله عنه يحب الإقامة في الأسطحة، وكل جامع أقام فيه عمل له فوق سطوحه خصًا، وتارة خيمة، وأخبرني أنه أقام في بدء أمره ثلاث سنين في سطح جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان لا ينزل إلا وقت صلاة الجماعة أو وقت حضور عرس الشيخ العارف بالله تعالى سيدي يحيى المناوي فإنه كان من أهل علمي الظاهر، والباطن وكذلك كان يحضره جماعة من الأولياء كسيدي محمد السروي رضي الله عنه، وسيدي محمد ابن أخت سيدي مدين رضي الله عنه، وأضرا بهما، وسمعته رضي الله عنه يقول: سخر الله تعالى لي الدنيا مدة إقامتي في جامع عمرو، فكانت تأتيني كل ليلة بإناء فيه طعام ورغيفين، وما خاطبتها قط، ولا خاطبتني، ولكن كنت أعرف أنها الدنيا، وسمعته يقول: حفظت القرآن، وأنا رجل فحفظت أولا النصف الأول على الفقيه ناصر الدين الأخطابي ثم النصف الثاني على أخي الشيخ عبد القادر.

وكان رضي الله عنه إذا نزل في مكان فكأني الشمس حلت في ذلك المكان لا أكاد أشهد غير ذلك هذا، وأنا صغير لا أفصح عن مقامات الرجال، والله إنه ليقع لي في الليلة الباردة أنني أقوم، وأنا كسلان عن الوضوء، والصلاة فلا أجد أحدًا في ذهني حاله ينشطني غيره، فإني أعرض هذا الحال، وأقول في نفسي لو قام الشيخ محمد رضي الله عنه في مثل هذه الليلة هل كان يرجع إلى النوم بغير وضوء، وصلاة فيزول عني الكسل بمجرد ذكر حاله رضي الله عنه، ولقد سمعته رضي الله عنه يقول: من منذ، وعيت على نفسي لا أقدر على جلوسي بلا طهارة قط، ولقد كانت تصيبني الجنابة في الليالي الباردة فلا أجد ماء للغسل إلا بركة كانت على باب دارنا في ليالي الشتاء، فكنت أنزل فيها، وعلى وجهها الثلج، فأفرقه يمينًا، وشمالا ثم أغطس، فأجد الماء من الهمة كأنه مسخن بالنار، والله لقد رأيته بعيني يستنجي في الخلاء، فيطئ عليه الماء للوضوء فيضرب يده على الحائط ويتيمم حتى يجد الماء، ولا يجلس على غير طهارة لحظة، وكان يقول: مجالسة الأكابر تحتاج إلى دوام الطهارة، وأردت ليلة من الليالي أمد رجلي للنوم، فكل ناحية أردت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت