فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 334

ينظرون إليه فيدعو، لهم، وكان إذا كتم أحد شيئًا عنه من ماله يذهب ذلك المال الذي كتمه كله، ولا يبقى معه إلا المال الذي يعترف به.

ودخل الحمام يومًا مع الفقراء أخذ ماء من الحوض ورشه على أصحابه، وقال: النار التي يعذب الله بها العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الماء في سخونته ففرح الفقراء بذلك، وكان رضي الله تعالى عنه إذا زار القرافة سلم على أصحاب القبور، فيردون السلام عليه بصوت يسمعه من معه، ولما طلع فقراء الصعيد، ومعهم الفرغل بن أحمد رضي الله عنه في شفاعة ابن عمر أمير الصعيد قال: سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه لا تقضي لهؤلاء حاجة لأنهم جاءوا بغير أدب، ولم يستأذنوا صاحب هذا البلد فكان الأمر كما قال: ولما دخلوا بالفرغل على السلطان أحمد جقمق قال له: أنت مشد هذا البلد فلم يجبه السلطان لكونه مجذوبًا، وسمع رضي الله عنه بعض الفقراء في الزاوية يقول: لبعض قم يا فلان اكنس الزاوية قال له: قم أنت فما زالا يقولان ذلك ساعة فخرج الشيخ رضي الله عنه، وهو يقول: أنت وأنت اخرجا، واجلسا على باب الزاوية وامنعا الناس من الدخول، وأنا أكنسها ففعلا فخلع الشيخ ثيابه، وشد وسطه وطوى الحصر، ونفضها، وكنسها وافتتح القرآن يتلوه من الفاتحة إلى آخر سورة الأنعام حتى فرغ من الكنس رضي الله عنه.

وكان أميرًا كبيرًا، والمقدمون الألوف هم الذين يمدون سماطه في المولد الكبير، ودخل يومًا فرأى الأمراء يبنون في الكوانين فقال: لا إله إلا الله لو أمرنا الملوك أن يبنوا الكوانين لفعلوا، وكان شخص من التجار شديد الإنكار على سيدي محمد رضي الله عنه حتى كان يجيء إلى باب الزاوية أحيانًا، ويرفع صوته بالألفاظ القبيحة في حق الشيخ فدار عليه الزمان، وانكسر، وركبته الديون، فجاء إلى الشيخ رضي الله عنه فتلقاه بالترحيب، وجمع له من أصحابه مالًا جزيلًا، ولم يزل يعتقد الشيخ إلى أن مات، ولم يعاتبه رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يتنزه عن سماع المعازف، وجميع آلات اللهو، فدخل يومًا يزور سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه فرأى المازروني عمالًا، والآلات تضرب فأمره بالسكوت حتى يزور فزار الشيخ رضي الله عنه، وعمل مجلس الذكر.

فلما خرج عاد المازررني إلى حاله، ولم يتعرض الشيخ لكسر آلاته، وسمع مرة مدرسًا من الحنفية يقول: في درسه الحكم كذا خلافًا للشافعي رضي الله عنه فزجره، وقال: تقول خلافًا للشافعي بقلة أدب لم لا تقول: رضي الله عنه، وإلا رحمه الله فقال: المدرس تبت إلى الله تعالى يا سيدي، وكان إذا رأى رضي الله عنه في جبهة فقير أثر سجود يقول: يا ولدي أخاف عليك أن يكون هذا من الرياء، وذكروا يومًا عنده سيدي عبد القادر الجبلي رضي الله عنه فقال: لو حضر عندنا عبد القادر هنا لكان تأدب معنا، وكان رضي الله عنه يقول: نحن أسرار الوجود، وكان إذا وضع يده على الفرس الحرون لم يعد إلى حرونته، وكان رضي الله عنه يكره مشايخ القرى، والمدركين للبلاد، ويقول: أبا لا أقول بإسلامهم، وكان يقول: من اعتقد شيخًا، ولم يره كسيدي أحمد البدوي، وغيره لا يصير بذلك مريدًا له إننا هو محب له فإن شيخ الإنسان هو الذي يأخذ عنه، ويقتدي به، وكان يكره للفقير لبس الطليحية، ويقول: الفقر في الباطن لا في الظاهر وكان رضي الله عنه إذا رأى من الفقراء، والمجاورين عورة سترها عليهم، ويصير يسارقهم بحيث لا يشعرون، ويرغبهم في ذلك الأمر الذي فيه صلاحهم، وكان رضي الله عنه يكره للفقير أن يكون عند شيخه، ولا يشاوره في أموره كلها، ويقول: والله ما عرف الكيلاني، وابن الرفاعي، وغيرهما الطريق إلى الله تعالى إلا على يد شيخ، وكم لعب الشيطان بعابد، وقطعه عن الله عز رجل، وكان إذا تشوش من فقير ظهر عليه المقت، وكان يقول: الفقراء ما عندهم عصا يضربون بها من أساء الأدب في حقهم، وما عندهم إلا تغير خواطرهم، وسألوه مرة ما تقول: الساقية في غنائها؟ قال: تقول لا يرى ملان إلا طالعًا ولا فارغ إلا نازلًا. ورأى مرة شابين أمردين ينامان في خلوة فلم يفش عليهما أمرًا، وصار يحكي الحكايات المناسبة للتنفير عن مثل ذلك حتى قال: بلغنا عن الشبلي رحمه الله تعالى أنه دخل يومًا خربة يقضي فيها حاجته فوجد فيها حمارة فراوده الشيطان عليها فلما أحس الشبلي رضي الله عنه بذلك رفع صوته، وصاح يا مسلمون يا مسلمون الحقوني، وأخرجوا عني هذه الحمارة فإني أعرف ضعف نفسي عن سلوك طريق الصيانة ثم قال: سيدي محمد رضي الله عنه فإذا كان هذا حال مثل الشبلي رضي الله عنه في حمارة، فكيف بالصور الجميلة ففطن لذلك الشابان فتفرقا عن الاجتماع حتى كأنهما لم يكونا عرفا بعضهما، وكانت الفضة لا تنقطع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت