في لسانهم هو الوجه الذي شهدته من أستاذك، فهو الوجه الذي تعرف الحق به إليك فافهم وكان يقول: أول من وصف بالحسد بغيًا، والغرور حقدًا وسوء الظن بربه، والتحكم على أمر سيده ومعارضة علمه، واختياره بهواه، ووهمه هو إبليس، فمهما وقع ممن بعده شيء من ذلك فهو قرين إبليس فإن لم يعمل بقول: ذلك القرين فهو محفوظ منه، وإلا فهو مصروع معه، وكلما قلت: قرناء السوء كثرت القرناء الكريمة، فافهم، وكان يقول: المعاني أرواح الأعيان، فما أرواح الكلم إلا ما تبين فيها من الأحكام، والحكم، وعلى قدر علو هذه المعاني يكون حياة كمال هذه المعاني فمن منع العارفين بإنكاره العنيف أن يبينوا في الحديث الكلامي ما يأتون به من معنى لطيف، أو روح شريف فإنه عدو ذلك الكلام يجهله يريد أن يذره ميتًا دارسًا.
وهو يحسب أنه يحفظه من اللغو والتحريف، فيا أيها العارف إذا رأيت من هذا شأنه، فأنزله إلى اللفظ الذي ليس عنده من الحق سواه وائت أنت بمواجيدك، وما أحوج العارفين إلى التعرض من إظهار معارفهم في مظاهر ظواهر النصوص التي ليس مبدأ المنكر من الحق سواها فإن نفوس غالب الناس كثيفة، ومشاهد الحق شريفة، ولا يؤذي الأستاذين بالإنكار إلا أصحاب النفوس الكثيفة، فافهم، وكان يقول: مدد أمر الأستاذ حبة وضعها في أرض قبول تلميذه وسقاها بتفهيمه، وتأييده فمهما ظهر من التلميذ أو عنه من ذلك فهو من ثمرات تلك الحبة، ونتائج الحبة، وثمراتها، وإن كثرت إنما هي ملك لغارس الحبة في أرض يستحقها، فكل ما للتلميذ من أمر رشد فإنما هو في الحقيقة حق لأستاذه، فلا يظن مريد أنه ظفر بشيء لم يظفر به أستاذه، ومن ظن ذلك فهو جاهل، وكان يقول: انظر إلى السحاب كيف يتفرق، وينحط لجهة التراب، فاجعل نفسك بالعبودية ترابًا يخدمك من جعل نفسه بالرياسة سحابًا فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: التراب محل الراحة"ومن آياته أن خلقكم من تراب""الروم: 20"وانظر إلى الإشارة في تكنية علي بأبي تراب تجد العلو في التنزل من لم يطرح نفسه في التراب لم يسترح فافهم.
وكان يقول: في قوله:"فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا""الأعراف: 143"لولا وجد التجلي ما اندك فإذا وجدت من خشع للحق جهرًا، فاعلم أنه قد وجد الحق فلذلك خشع، وإن لم يشعر هو، واحفظ له حرمة ذلك الوجد تسلم، وتغنم، وكان يقول: من شهد أن الأمر كله لواحد ما ثم فعل غيره، وإيجاده مطابق معلومه، ومراده لم ير في العالم إلا صدقًا مطابقًا، فليس عنده في العالم إلا الصدق لا ضده فافهم، وكان يقول: من شهد أن الوجود لا يمكن أن يقوم به نقيضه، ولا واسطة بينهما لم يشهد في الوجود إلا حقًا، وأن يظن شيئًا بعد ظهوره لشيء أو ظهر له بعد بطونه عنه ومتى تم لهذا شهوده، وكمل لم يشهد إلا واحدًا، وشاهده مشهوده فافهم، وكان يقول: من حدد عدد ومن جرد وحد، ومن تمكن من التصرف بالحكمة في أحكام الأمرين أطلق، وقيد، وذلك هو الحق المبين، وكان يقول: صور الخيرات ملكية، وصور الشر شيطانية، فأيما صورة شر عرض لها ما به تكون حسنة فإنها شيطان أعان الحق عليه فأسلم، فهو لا يأمر صاحبه إلا بخير مثال هذا صورة الكذب شيطانية فإذا كذب لإصلاح ذات البين أو لإقامة حق من حقوق الرب كحق دم أو نصرة مظلوم أو كف ظالم عن ظلمة، وما أشبه هذا، فتلك الصورة الشيطانية حينئذ مسلم لا يأمر إلا بخير، وقس على هذا فافهم، وكان يقول: إذا ظهر الوجود في موجود بوصف أحب أن يوافق، ومتى خولف فارق، فمن ثم لا تعيب على موجود أمره إلا كره منك ذلك، ولا يقبل منك إلا أن تسلم له"ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه"فافهم، وكان يقول: الجنان درجات أعلاها الفردوس التي سقفها عرش الرحمن الرب الأعلى الذي يطعم، ولا يطعم، ومنه يأتي لأهل كل جنة ما لا عين منهم، ولا ممن دونهم رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أولئك فالعرش عنده ما لا يعلمه إلا رحمانية الحق المجرد، والفردوس عنده من الرحمن ما جاءه بواسطة العرش، فلا يطلع عليه إلا العرش، وأهله، والجنة التي سقفها الفردوس عند أهلها من الرحمن بواسطة الفردوسيين ما لا علمه، ولا أدركه إلا أهل العرش، وأهل الفردوس، وهكذا إلى آخر الزمان، فأدناها أعناها عطاء، وأعلاها أعلاها علاء، وأهل كل جنة يرون سقفها عرش الرحمن لأنهم لا يرون ربهم الرحمن إلا في مظاهره وأطال في ذلك، وكان يقول: في قول