ويحتمل ذلك وجهًا آخر وهو أن يكون إشارة إلى الفوائد التي تعود على المصلي في الجماعة، لأجل اجتماعه مع الناس على الصلاة، فيكون منها آمنه من السهو عن بعض أركان الصلاة، والشك في أنه ركع أو لم يركع، وسجد سجدة أو سجدتين وصلى ركعة أو ركعتين.
ومنها أن الصلاة في الجماعة إظهار للدين وليس إظهاره كإخفائه.
ومنها أن الشغل في صلاة الجماعة أكثر منه في الانفراد، ولولا ذلك لما يجري المتخلف عن الجماعة بتخلفه عنها تخفيفًا عن نفسه، والشغل بالعبادة عبادة.
ومنها أن الكاره لا تفوته الجماعة: إما أن يلزم المسجد منتظرًا للصلاة فذلك في حكم الصلاة وهو له عبادة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إن أحدكم في الصلاة ما دام ينتظر الصلاة» .
وإما أن يتردد إلى المسجد في الظلمة مرة وفي الضياء أخرى والحر الشديد والبرد الشديد ومقاساة العناء في العبادة عبادة.
ومنها أن المسلمين إذا التقوا كل يوم وليلة خمس مرات للاجتماع على الصلاة عاد ذلك عليهم بالإلفة والمودة، ولم يتقاطعوا ولم يستوحش بعضهم من بعض بأدنى بلاغ وأقل سبب.
ويلتحق بهذا أن بعضهم يسأل عن بعض إذا لم يره، وإن كان وجب له حق قضاه.
وإذا لم يجتمعوا ولم يتلاقوا جهل بعضهم حال بعض، ولم يصل إلى قضاء حق إن كان قد وجب له.
ومنها أنهم إذا قصدوا أن يصلوا جماعة احتاجوا إلى مكان يضمهم، فبنوا المساجد وعمروا ما قد بني منها.
وكل واحد من البناء والعمارة عبادة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة» .
ومنها أنهم إذا أرادوا ذلك احتاجوا إلى مؤذن يحافظ عليهم الأوقات، ويعلمهم بها، فإذا نصبوه فالأذان للمؤذن عبادة.
ونصبهم إياه الفرض الذي وصفنا عباده.
ومنها أنهم يحتاجون إلى إمام يكون لهم بمنزلة القائد والوالي، فإمامته إذا أدى الإمامة فيها له عبادة، واقتداؤه به لهم عبادة.
ومنها إن أكمل الصلاة هي الجمعة، فإذا صلى الناس غيرها جماعة فقد شهرها بها وحصلوا فيها بعض معانيها وأوصافها متبرعين، فكان ذلك نظيرًا أن يصلوا في الوقت الذي لا فرض عليهم فيه متنقلين، فشبهوه بالوقت الذي فيه عليهم فرض، وتحصلوا فيه معناه ووصفه.
ومنها: أن الصلاة في الجماعة تقع لأوقاتها لأن كل واحد يفزغ نفسه لشهودها وإقامتها، وصلاة المنفرد تقع مرة لأول الوقت ومرة لآخره، وربما تنتهي عن الوقت، وليس المحاسب نفسه كالمساهل إياه.