وروي أن حذيفة المرعشي رحمه الله سئل عمن كانت المعاصي قبره عينه، هل يعرف الله عز وجل؟ فقال: أرأيت من كانت نعله أحب إليه دينه أي دين دينه.
رأيت رجلًا صنع نعله.
ومعنى هذا أن المغرمين بالباطل لا يتفكرون في أن ما يتعاظمونه يثلم إيمانهم ويقلب سماهم ويعر حكمهم، ويحبط في مواقف أهل الدين قدرهم.
ثم لا يرى أحدًا منهم يصنع نعله لأنه إن كان في داره لم يتركها حيث تصل الأيدي إليها، بل يخزنها ويحفظها إذا خلفها عند دخول مسجد أو غيره، لم يهملها ولم ينتظرها ويجوزها إما بنفسه وإما بغيره، لئلا توجد.
فهذا يدل على أن فعله أعز عليه من دينه إذا كان يقصد الدين فيثلمه الثلمة بعد الثلمة، ثم يواقعه نفسًا بإضاعة النعل، فمن كان هذا دينه، فأي دين دينه؟ إما أن يكون منافق القلب أو يكون إيمانه في نهاية الضعف.
وما قال حذيفة رحمه الله من هذا، فكما قال: فمن أهمه من أمر دينه ما ذكرنا، وكره أن يكون المنزلة التي وصفنا، فليدع المعاصي كما يدع الكفر نفسه، حتى إذا أسلم له أصل دينه بأجزائه فلقي الله - عز وجل - وهو كامل، وفضل الجميع له حاصل وبالله التوفيق.
ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان من قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم، وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وافق قال الله عز وجل: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللَّهِ} .
فيدخل في هذا من هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في حياته ليلقاه ويصحبه ويجاهد معه.
ومن هاجر بعده إلى حيث يستطيع إظهار دينه ونصب أعلام شريعته، فيه قال الله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} .
فدخل في ذلك الرجوع إليه حقًا في سؤاله عما أشكل والرجوع بعد وفاته إلى سنته وما بلغ الناس عن ربه جل جلاله فكذلك يدخل في الهجرة، وإليه الوجهان اللذان ذكرتهما والله أعلم.
فإن أقام بدار الجهالة ذليلًا مستضعفًا وهو يقدر على الانتقال إلى حيث يخالفها فقد ترك ـ وفي قول كثير من العلماء ـ فرضًا واجبًا، لأن الله تعالى قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} .