فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 1140

والثالث: أن شعيبًا عليه السلام فرغ إلى الله تعالى واستنصره، فدعاه كما يدعي في الشدائد إذا عرضت، والخطوب إذا نزلت، فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} استعظامًا منه لما كان يخاطب به، وتأملًا أن يدفع الله عنه أذية الكفار فلا يسمعونه في دينه ما يشق عليه سماعه.

وهذا أيضًا من الشح بالدين، كما لو كان يراد منه مال وهو يأبى فاسترفع الله تعالى شرهم بدعائه وتضرعه، فكان ذلك شحًا بالمال.

ومعلوم أن الله - عز وجل - إنما يقيض علينا هذا ومثله لنتأدب بآداب الذين يصف لنا سيرهم ثم يمنعها، وبيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها، ويتبع الأحسن من الوجهين دون الأصح منها، كما قال عز وجل: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُو الأَلْبَابِ} .

فصح أن الشح بالدين من أركان الدين، لا يجد حلاوة الدين من لا يجد به الشح في قلبه والله أعلم.

وهو الذي ورد به القرآن، والخبر عن المصطفى - صلى الله عليه وسلّم - في هذا الباب، فهو الأمر الذي يشهد بصحته العقل، ولا يوجد فيه بخلافه وجه، لأن من اعتقد دينًا ثم لم يكن في نهاية الشح به والإشفاق عليه كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره، ولا يبين موضع الحظ لنفسه فيه، ومن الحق عنده ألم يكن الحق عنده وبالله التوفيق.

ثم إن الشح بالدين ينقسم قسمين: أحدهما الشح بأصله كيلا يذهب.

والآخر الشح بكماله كيلا ينقص.

والشحان جميعًا من أركان الإيمان، ألا ترى أن الله - عز وجل - كما مدح شعيبًا - صلى الله عليه وسلّم - وأثنى عليه بأنه شح على دينه، فلم يفارق مع استكراه قومه إياه على مفارقته وكذلك قد مدح يوسف صلوات الله عليه بأن استعصم حين مراودته امرأة العزيز عن نفسه، وقال {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} فبان أن الشح على شعب الإيمان لئلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب وبالله التوفيق، وهذا سبيل كل متنفس مسنون به لأن الشحيح بماله، كما لو شح بجماعته يشح بإبعاضه.

والشحيح بنفسه يشح بأطرافه، كما يشح بجميع ماله لذا يبغضه كذا الدين وبالله التوفيق.

وقد قيل في قول الله - عز وجل - أخبر أن أهل الجنة يقولونه: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} إنهم كانوا مشفقين أن يسلبوا الإسلام فجزاهم الله تعالى بإشفاقهم على دينهم فأداهم في الآخرة إلى رضوانه وطول دار المقامة من حسناته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت