وفي قصة شعيا النبي عليه السلام:
أنه لما خرج أمر بني إسرائيل وفيهم شعيا لا يقتلون منه أوحى الله تعالى إليه «قم في قومك أوح على لسانك» فلما قام أطلق الله لسانه بالوحي.
وقال: يا سماء أسمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله - عز وجل - يريد أن يقبض شأن بني إسرائيل فذكر معاتبة الله إياهم إلى أن قال «وزعموا أنهم لو شاءوا أن يطلعوا على الغيب بما توحي إليهم الشياطين اطلعوا، وكلهم يستخفي بالذي يقولونه، وهم يعلمون أني أعلم غيب السماوات الأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، وإني قضيت يوم خلقت السماوات والأرض فيما أتيته وصححته على نفسي وجعلت دونه أجلًا واقعًا، فإن صدقوا بما ينتحلون من علم الغيب فليتخيروا مني أبعده، وفي أي زمان يكون، وإن كانوا يقتدرون على أن يأتوا بما يشاءون، فليأتوا بمثل القدرة التي أقضيت، فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وإن كانوا يقدرون على أن يؤلفوا ما شاءوا، فليؤلفوا مثل الحكمة التي ادبر ذلك العصر كانوا صادقين.
فإني قضيت يوم خلقت السماوات والأرض، أن أجعل النبوة في الآراء، واجعل الملك في الرعاة، والعز في الأذلة والقوة في الضعفاء والغنى في الفقر، والثروة في الإملاء، والمدائن في الفلوات، والآجام في المفاوز، والبردى في الغيظان، والعلم في الجهلة، والحكم في الأميين، فسلهم متى هذا، ومن القائم بهذا؟ وعلى يد من أسبب؟ ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره، وإن كانوا يعلمون فإني سبقت كذلك نبيًا أميًا أعمى من عميان، ضالًا من ضالين، وليس فقط غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يبر من الفحش، ولا قوال للخنساء، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم.
اجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه أهدى بعد ضلاله، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسموا به بعد النكرة، وأكبر به بعد القلة، وأتمنى به بعد الصلة، وأجمع به بعد الفرقة، وألف به بين قلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأمم متفرقة، واجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر.
وتوحيدًا إلي وإيمانًا بي وإخلاصًا يصلون لي قيامًا وقعودًا، وركعًا وسجدًا، ويقاتلون في سبيلي صفوفًا وزحوفًا، يخرجون من أموالهم ابتغاء رضوان الوفاء، ألهمتهم التكبير والتحميد والتوحيد والتسبيح والتحميد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأشراف، ويظهرون إلى الوجود والأطراف، ويعقدون النيات في الأنصار، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبانًا بالليل، ليوثا بالنهار ذلك فضلي أرينه من أشاء وأنا ذو العقل العظيم».