وليس الكلام على أنه كيف يحيي؟ وإنما الكلام على الإحياء نفسه، فقد ثبت أنه ليس بخارج من قدرته والله أعلم.
وأما ماأ راه إبراهيم صلوات الله عليه لما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} فهو أن أمره بأن يأخذ أربعة من الطيور، فيقطعن، ويجعل على كل جبل منهن جزءًا ثم يدعوهن.
فرجع كل جزء إلى مثله حتى يلتئم جملة ذلك الطير، ويرد الله الحياة إليها، يأذن له في أحيائه، فيأتيه سعيًا، فجعل إبراهيم صلوات الله عليه، وأنجز الله له وعده.
وقد أدى ثناؤه مثل هذا، الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أن يحيي هذه الله بعد موتها، وكان معه حمار وركوة عصير وسلة تين، على ما جاءت به الأخبار.
فأماته مائة عام ثم بعثه، قال: كم لبثت؟ قال لبثت يومًا أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام.
وكان قد أمات الحمار وأبلاه، فعلم أن لبثه لم يكن يومًا أو بعض يوم، ثم أن الله تعالى أحياه على عينه.
وقال له: أنظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحمًا.
واعلم أن الله على كل شيء قدير، فنبهه فأحيا الحمار على أنه أن يحيى تلك القرية بعد موتها وهي بيت المقدس لم يعجزه ذلك، وقد يكون أبقى الله - عز وجل - التين والعصير بحالهما ليدله بذلك على أنه لو شاء لأبقى الحمار بحاله أيضًا.
ولكنه أراد أن يريه إحياء الميت عيانًا لئلا يعود فيقول ما قال ولا يستعيذ من أمر الله تعالى ما تقدمه كمال القدرة وليكون ذلك حجة على إنكار البعث ممن شاهده أو بلغه.
فأما عصا موسى عليه السلام فإن الله تعالى قال لموسى: {أَلْقِهَا يمُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} ، فجعل الله الحية لحمًا ودمًا.
وخبر ذلك شائع في أهل الملك لا ينكره أحد منهم.
فقال له: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأُولَى} فلما أخذها عادت عصًا كما كانت.
ثم أن فرعون جمع له السحرة، فألقوا حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فقال كما كانت.
فليس لأحد أن يستبعد مع هذا إحياء الله تعالى للأموات وبعثهم، ويكذب الرسل الذين هم وعدوا ذلك عن الله - عز وجل - أمامهم وبالله التوفيق.
وأما أصحاب الكهف فإنهم كانوا بين ظهراني قوم يكذبون بالبعث، فضرب الله على آذانهم في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، ثم أقامهم، واغتر قومهم عليهم ليعلموا بحفظ الله تعالى أجسادهم مع فقدهم الغذاء تلك المدة الطويلة وصيانة شعرهم وبشرهم مع ذلك عن أن تأكلها الأرض، وكل ذلك خارج عن العادة، إن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، وإعادة الأجسام الهامدة كما كانت، وإن كان ذلك مفارقًا للعادة وبالله التوفيق.