وعنك اعرض وفي مثله يقول الشاعر:
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل
وقال عمرو بن علي
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت
سكت عن السفيه فظنّ أني ... عييت عن الجواب وما عييت
والخامس من أسبابه الإستحياء من جزاء الجواب وهذا يكون من صيانة النفس وكمال المروءة. وقد قال بعض الحكماء: إحتمال السفيه خير من التحلي بصورته والاغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته. وقال بعض الأدباء ما أفحش حليم ولا أوحش كريم. وقال لقيط بن زرارة:
وقل لبني سعد فمالي ومالكم ... ترقون مني ما استطعت وأعتق
أغرّكمو أني بأحسن شيمة ... بصير وأني بالفواحش أخرق
وان تلك قد ساببتني فقهرتني ... هنيئا مريئا أنت بالفحش أحذق
والسادس من أسبابه التفضل على السّبّاب فهذا يكون من الكرم وحب التألف كما قيل للإسكندر: إن فلانا وفلانا ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهما فقال: هما بعد العقوبة أعذر في تنقصي وثلبي فكان هذا تفضلا منه وتألفا.
وقد حكي عن الأحنف بن قيس أنه قال: ما عاداني أحد قط إلّا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال: إن كان أعلى مني عرفت له قدره وإن كان دوني رفعت قدري عنه وإن كان نظيري تفضلت عليه فأخذه الخليل فنظمه شعرا فقال:
سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن كثرت منه إليّ الجرائم
فما الناس إلّا واحد من ثلاثة: ... شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأمّا الذي فوقي فأعرف قدره ... وأتبع فيه الحق والحق لازم
وأمّا الذي دوني فأحلم دائبا ... أصون به عرضي وإن لام لائم
وأمّا الذي مثلي فإن زل أو هفا ... تفضلت إن الفضل بالفخر حاكم