الكف لأن الواحد قد يقتل قبل بلوغ الغرض وذلك قبيح في العقل أن يتعرض له. فهذا حكم ما أكد اللّه تعالى به أوامره وأيد به زواجره من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يختلف من أحوال الآمرين به والناهين عنه. ثم ليس يخلو حال الناس فيما أمروا به ونهوا عنه من فعل الطاعات واجتناب المعاصي من أربعة أحوال فمنهم من يستجيب إلى فعل الطاعة ويكف عن ارتكاب المعاصي وهي أكمل أحوال أهل الدين وأفضل صفات المتقين فهذا يستحق جزاء العاملين وثواب المطيعين. روى محمد بن عبد الملك المدائني عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الذنب لا ينسى والبر لا يبلى والديان لا يموت فكن كما شئت وكما تدين تدان» وقد قيل: كل يحصد ما يزرع ويجزي بما يصنع بل قالوا: زرع يومك حصاد غدك. ومنهم من يمتنع من فعل الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي وهي أخبث أحوال المكلفين وشر صفات المتعبدين فهذا يستحق عذاب اللآهي عن فعل ما أمر به من طاعته وعذاب المجترىء على ما أقدم عليه من معاصيه وقد قال ابن شبرمة: عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار فأخذ ذلك بعض الشعراء فقال:
جسمك قد أفنيته بالحمى ... دهرا من البارد والحار
وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي حذر النار
وقال ابن ضبارة: إنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة اللّه تعالى