فلما علم امرؤ القيس بمكانهم أمر بإنزالهم. وتقدّم (1) في إكرامهم والإفضال عليهم. واحتجب عنهم ثلاثا.
فقالوا لمن ببابه من رجال كندة. ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقيل لهم: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدّة والسلاح! فقالوا: اللهمّ غفرا! إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف، ونستدرك به ما فرط، فليبلغ ذلك عنّا.
فخرج إليهم بعد ثلاث في قباء (2) وخف عمامة سوداء وكانت العرب لا تعتمّ بالسواد إلا في الترات (3) فلما رأواه نهضوا له، وبدر إليه قبيصة فقال:
إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرّف الدهر، وما تحدث أيامه وتنتقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ، ولا تذكرة مجرّب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك (4) ، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، والرجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصّفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها.
وقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمّت رزيته نزارا واليمن، ولم تخصص به كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر، ولولا كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا (5) على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه.
فأحمد الحالات في ذلك: أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتا وأعلاها في بناء المكرمات صوتا فقدناه إليك بنسعة (6) تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته (7) ، فيقال: رجل امتحن بهلك عزيز عليه. فلم تستلّ سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام أو فداء بما يروح (8) على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة وكان ذلك فداء ترجع به القضب (9) إلى أجفانها تقدّم في كذا: أمر به.
(2) القباء: الثوب المجتمع الأطراف.
(3) الترات: جمع ترة وهي في الأصل مصدر وتر أي نقص واستعمل في الثأر.
(4) الأعراق: جمع عرق، وهو أصل كل شيء.
(5) الكرائم: خيار الأموال، وقد يراد بها النفوس أو النساء.
(6) النسعة: السير من الجلد يجعل زماما للبعير فيقاد به.
(7) القصرة: العنق.
(8) يروح: يرجع.
(9) القضب: السيوف.