وكانت الحيرة كذلك ملتقى للثقافة الفارسية والعربية ومنتدى واسعا للأدب والشعر يظلّلها ألوان من الحضارة والتقاليد الفارسية وكانت النصرانية سائدة فيها كما كان أئمة الشعراء يفدون إليها لينعموا بجوائز المناذرة وصلاتهم السّنيّة وكان ممّن قصد إليها النابغة والأعشى وعلقمة وحسّان وسواهم.
كما كان تنقّل عديّ بين البلاد الفارسية سببا في تنوّع ثقافته، وسعة معارفه وتعدّد مشاهده، وكثرة تجاربه، وتباين البيئات التي عاش فيها.
انتقل عديّ من الحيرة إلى المدائن حيث كان يعمل كما ذكرنا في ديوان كسرى يؤذن له عليه في الخاصّة، وهو معجب به، قريب منه، كما أصبح له نفوذه عند أمراء الحيرة، فعلا له بذاك صيت عظيم، وذكر كريم.
وكانت إقامته الغالبة في المدائن عاصمة كسرى فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله مع أهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وكثيرا ما كان ينزل البادية قريبا من الحيرة.
وأرسله كسرى رسولا له إلى امبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وأكرمه القيصر وطاف به في أرجاء مملكته الواسعة وكان من البلاد التي زارها في هذه الرحلة دمشق ويؤثر له فيها قصيدة قالها وكانت فيما يروى أول شعر نظمه، ومن هذه القصيدة: [الخفيف]
ربّ دار بأسفل الجزع من دو ... مة أشهى إليّ من جيرون (1)
وندامى لا يفرحون بما نا ... لوا ولا يرهبون صرف المنون
وقدم عديّ المدائن على كسرى بهدية قيصر، وبلغه خبر موت والده أثناء رحلته فاستأذن كسرى في زيارة أهله بالحيرة فتلقّاه ملكها في وجوه الناس يعزونه.
وتزوّج عديّ هندا بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجمل نساء أهلها وزمانها، وكان لعديّ فضل في تولّي النعمان عرش الحيرة بعد المنذر، فعظمت منزلة عديّ في دولة المناذرة، وخاصّة أن النعمان ربّي على يد أستاذه عديّ. ثم وشى الوشاة به إلى النعمان فحبسه حتى مات في حبسه.
دومة: قرية من قرى غوطة دمشق، واسم لموضع قريب من الكوفة والحيرة.