من أغرب ما رأيته في رسالته (( منهج الإمام مسلم ) )وأخطره ازدواجية الأسلوب، إذ يقول مُعقّبًا على ما ناقشت به الحافظ المِزّي ـ رحمه الله ـ فيما يخص تحقيقه لبعض النصوص في صحيح مسلم، مناقشة علمية قائمة عديد من الأدلة القوية، ومُعتمِدًا فيها آراء الأئمة ـ يقول الأستاذ مُعقّبًا عليه ـ: إنه يتلاعب بكلام الأئمة، ويحطهم عن منزلتهم ويجعل كلامهم مثل كلام الأطفال والجهلة البلهاء )) .
وأما حِين أؤيّد الأئمة النقاد في مجال تخصصهم النقدي والقضايا العلمية على ضوء الأدلة والبراهين، فهو يتّهمني (( بالغلو والإطراء فيهم والإفراط في تقديسي الأشخاص بحيث أجعلهم يحيطون بكل شيء علمًا ويحصون كل شيء عددًا ) ).
يا سبحان الله! كيف يكون الإنسان سلِيمًا في نظره إذا كان هذا هو أسلوبه ومنهجه ونظره؟ حتى إن الأستاذ نفسه لم يسلم من الاتهام نفسه إذ أنه لا يخلو إما أن يكون ممن تلاعب بكلام الأئمة، وحطّهم عن منزلتهم وجعل كلامهم مثل كلام الأطفال والجهلة والبلهاء، بل يكون هو أولى وأحقّ بأن يكون كذلك، فإنه يتّخذ النسيان والغفلة اللتين جُبِلَ عليهما البشر ذريعة لتخطئة الأئمة النقّاد، دون أن يكون لديه أدنى قرينة تدل على نسيان وقع منهم جميعًا في مُختلف عصورهم، ولم يقف عند هذا الحدّ واللعب بل تجاوز فقال: إنّه منطق إسلامي ومنهج سلفي.
وإما أن يكون من الصوفيين الغالين الذين يفرطون في تقديس الأشخاص، وإنزالهم في منزلة الإله الذي لا ينسى ولا يخطئ، فإنه بما مال إليه الحافظ المِزّي من رأي لم يكن مُصِيبًا فيه، رغم وقوف الأستاذ على أدلة واضحة تدل على خطأ ذلك الرأي، لأنه يستبعد الخطأ والنسيان في حقّ الحافظ المِزّي.
فإن كان الأستاذ يبرّر هذه التصرفات في حقه زاعمًا وجود الأدلة لديه، فكيف لا تكون الأدلة التي بَيّنْتها له مُبررة لي في المُخالفة أو الموافقة؟ هذا وقد كتبت له بكل صراحة ما نصه:
(( وينبغي لنا أن نعرف جيّدًا أن الأئمة النقدة خاصّة الإمام البخاري وأمثاله لا يخوضون في هذا الميدان ولا يتولون تلك المهمة الخطيرة للغاية إلا بعدما جمع طرق الحديث، ونظر فيها وفحصها، وإذا لم يستطيعوا الجمع والنظر لا يُعلّون الأحاديث، ولا يحكمون بأنه لا يصح، لأنهم مُدركون خطورة هذه الأمانة العلمية،ة وأين نحن منهم؟ ولا يعْني هذا أنهم معصومون ولا يخطئون في أحكامهم كلا ثم كلا، بل يعني أنهم لا يقصرون في جمع الطرق والنظر فيها، ولا يُعلّون الأحاديث جُزافًا ) ) [ص 31 من نقدي الأول] ، إذن لم أكن رجلًا صوفيًا غاليًا مفرطًا، فالاتهام بالغلو والصوفية وتقديس والأشخاص والإطراء فيهم زور وبهتان.
فعسى أن يكون الأستاذ مُتأملًا فيما قاله: (( ولو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة، حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوز ـ في نظري ـ النتائج التي تَوصّلتُ إليها، لأنني بحمد الله طبّقتُ قواعد المحدثين بكل دِقّة ولم آل في ذلك جهدًا ) ).
(( رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه ) ).
ومَن المُحدثون عنده بعد هؤلاء الأئمة يل ترى؟
وقد أثّرت رسالته (( منج الإمام مسلم ) )في نفوس بعض الأخوة فاتهموني احترامًا للأستاذ، لكن من الصالحين من دافع عني وعن عقيدتي وسلوكي، وعِرْضي وبراءتي، فداروا مع الحق، فجزاهم الله خير الجزاء وتقبله منهم قبولًا حسنًا.
وإنني قد وجدت الأستاذ في رسالته رجلًا يسعى جاهدًا وراء السراب يتناول القضايا العلمية الدقيقة بدون نظر وتأمل وفهم، ثم يعطي لها تفاسير خاصة من عنده محتكمًا فيه إلى عقله، دون أن يرجع إلى منهج المحدثين الناقدين الذي هو إرث حضاري عظيم فريد، تعتز به الأمة الإسلامية جمعاء، فقد أعجز المستشرقين عن التشكيك في السنة النبوية، بل جعلهم منبهرين أمام ذلك المنهج قائلين: كفى للأمة الإسلامية فخرًا هذا العلم وهذا النقد.
فتبين للقارئ الكريم أن الأمور التي تعلق بها الأستاذ عبر رسالته (( منهج الإمام مسلم ) )في الشتم والسب والتهم وإثارة الشكوك في ديني وسلوكي وعقيدتي كلها سراب محض لا وجود له، والحمد لله رب العالمين.
فرسالة (( منهج الإمام مسلم ) )استهدف بها صاحبها أن صاحبها أن ينتقدني في عديد من القضايا العلمية والاسنادية ولم تنل من العنوان إلا حظًا ضئيلًا نسبيًا، حيث إنه تناول القضايا التي تتعلق بالعنوان في أربعة وثمانين صفحة من ستة ومائتين صفة، وما بقي فلا علاقة له.
وأود أن يكون بحثي هذا مُخصّصًا لتحرير منهج الإمام مسلم في صحيحه وأما بقية القضايا التي تناولها الأستاذ في رسالته (( منهج الإمام مسلم ) )فأفردتُ لها بحثًا آخر تحت عنوان (( حوار بين طالب وأستاذ ) )وسيُطْبع عقب هذا إن شاء الله، والفضل كله بيد الله وإليه فوضت كل أمري، وهو ولي التوفيق.
وأدعو الله مُخلصًا أن يتقبله مني قبولًا حسنًا، وأن ينفع به المسلمين وأن يتجاوز عني فيما أخطأت، فإنني ـ بفضل الله ـ لم أتعمّد ولا تلبّستُ بالكذب والتدليس، بل تناولت في القضايا العلمية مُقررًا ومحررًا مُجتهدًا في البحث والدراسة، فإن أصبتُ فمن الله تعالى، وإن أخطأتُ فحسبي أنني حاولتُ واستقصيتُ متضرعًا إلى الله أن يلهمني الصواب.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. آمين.