وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِر بِأَنَّهُ سَيَقْتُلُهُ أَشْقَى الْقَوْم فَكَانَ ذَلِكَ فِي أَشْيَاء كَثِيرَة. وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون النَّفْي مُقَيَّدًا بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ فَلَا يَرِد حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ شَارَكَهُ فِيهِ جَمَاعَة وَإِنْ كَانَ عِنْده هُوَ زِيَادَة عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِب الْقِصَّة فَكَانَ أَشَدَّ عِنَايَة بِهَا مِنْ غَيْره. وَفِيهِ الْكَفّ عَنْ قَتْل مَنْ يَعْتَقِد الْخُرُوج عَلَى الْإِمَام مَا لَمْ يَنْصِب لِذَلِكَ حَرْبًا أَوْ يَسْتَعِدّ لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ"فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ", وَحَكَى الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاع عَلَى ذَلِكَ فِي حَقّ مَنْ لَا يُكَفَّر بِاعْتِقَادِهِ , وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّهُ كَتَبَ فِي الْخَوَارِج بِالْكَفِّ عَنْهُمْ"مَا لَمْ يَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا أَوْ يَأْخُذُوا مَالًا فَإِنْ فَعَلُوا فَقَاتِلُوهُمْ وَلَوْ كَانُوا وَلَدِي"وَمِنْ طَرِيق اِبْن جُرَيْجٍ"قُلْت لِعَطَاءٍ مَا يَحِلّ فِي قِتَال الْخَوَارِج؟ إِذَا قَطَعُوا السَّبِيل وَأَخَافُوا الْأَمْن"وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ"سُئِلَ عَنْ رَجُل كَانَ يَرَى رَأْي الْخَوَارِج وَلَمْ يَخْرُج؟ فَقَالَ: الْعَمَل أَمْلَكُ بِالنَّاسِ مِنْ الرَّأْي"قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الْخَوَارِج بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْحَقّ بِأَلْسِنَتِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ قَوْلهمْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ جِهَة الْقَوْل فَإِنَّهُ قَوْل لَا يُجَاوِز حُلُوقَهُمْ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى (إِلَيْهِ يَصْعَد الْكَلِم الطَّيِّب وَالْعَمَل الصَّالِح يَرْفَعهُ) أَخْبَرَ أَنَّ الْعَمَل الصَّالِح الْمُوَافِق لِلْقَوْلِ الطَّيِّب هُوَ الَّذِي يَرْفَع الْقَوْل الطَّيِّب , قَالَ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوز قِتَال الْخَوَارِج وَقَتْلهمْ إِلَّا بَعْد إِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الرُّجُوع إِلَى الْحَقّ وَالْإِعْذَار إِلَيْهِمْ , وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيّ فِي التَّرْجَمَة بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة فِيهَا وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْخَوَارِج. وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيع الْبُخَارِيّ حَيْثُ قَرَنَهُمْ بِالْمُلْحِدِينَ وَأَفْرَدَ عَنْهُمْ الْمُتَأَوِّلِينَ بِتَرْجَمَةٍ , وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ فَقَالَ: الصَّحِيح أَنَّهُمْ كُفَّار لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَام"وَلِقَوْلِهِ"لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْل عَاد"وَفِي لَفْظ"ثَمُود"وَكُلّ مِنْهُمَا إِنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ وَبِقَوْلِهِ"هُمْ شَرُّ الْخَلْق"وَلَا يُوصَف بِذَلِكَ إِلَّا الْكُفَّار , وَلِقَوْلِهِ"إِنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْق إِلَى اللَّه تَعَالَى"وَلِحُكْمِهِمْ عَلَى كُلّ مَنْ خَالَفَ مُعْتَقَدهمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّخْلِيد فِي النَّار فَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِالِاسْمِ مِنْهُمْ , وَمِمَّنْ جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَئِمَّة الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين السُّبْكِيّ فَقَالَ فِي فَتَاوِيه: اِحْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِج وَغُلَاة الرَّوَافِض بِتَكْفِيرِهِمْ أَعْلَام الصَّحَابَة لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهَادَته لَهُمْ , بِالْجَنَّةِ , قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي اِحْتِجَاج صَحِيح , قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرهُمْ بِأَنَّ الْحُكْم بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّم عِلْمهمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَة عِلْمًا قَطْعِيًّا , وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّا نَعْلَم تَزْكِيَة مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إِلَى حِين مَوْته وَذَلِكَ كَافٍ فِي اِعْتِقَادنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ , وَيُؤَيِّدهُ حَدِيث"مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ كَافِر فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدهمَا"وَفِي لَفْظ مُسْلِم"مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوّ اللَّه إِلَّا"