القسم المباح هو: الذي أباحه الشرع تعبدًا لله جل في علاه، بأن تقسم وتذكر المعظم لأمر عظيم، وتريد منه: أن ينتبه الناس لك، وأن يستقر في قلوبهم أنك صادق، وتؤكد بالقسم ليقتنعوا به، كما أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان دون أن يستقسم، فقال: (والذي نفسي بيده إن في الجنة) كذا وكذا، فأقسم دون أن يستقسم؛ ليؤكد قوله، فهذا القسم مباح.
ولا يكون القسم إلا بالله جل في علاه، أو بصفاته سبحانه وتعالى وأسمائه، أو بأفعاله وآثاره جل في علاه.
وكل هذه أنواع للقسم المباح.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم كثيرًا بربه جل في علاه، إما بذاته وإما بأسمائه وصفاته وإما بأفعاله، فكان يقول: (والذي نفسي بيده) وهذا قسم بالذات.
وكان صلى الله عليه وسلم يقسم ويقول: (لا ومقلب القلوب) وهذا قسم بأفعال الله.
وكان يقسم أيضًا بقوله: لا والله وبالله وتالله، وأيضًا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينتهجون هذا النهج بعدما تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم أن القسم المباح هو القسم بالله أو بأسمائه وصفاته جل في علاه، فكانوا يفعلون ذلك، وذلك كحال الأعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وله دوي بعدما أسلم، فقال: (آلله أرسلك؟) ؟ كأنه يستحلفه بالله.
وأيضًا: أبو موسى الأشعري عندما دخل عليه امرؤ وقال له:(إني أحبك في الله، قال: آلله؟ أو قال: والله تحبني في الله؟ -أي: يقسم بذات الله جل في علاه- قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا).
وأيضًا: عائشة رضي الله عنها وأرضاها كانت تقسم بذات الله أو بأسمائه وصفاته، وكانت تحب محمدًا صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي حبًا جمًا، لكنها امرأة، وتعرفون النساء، فتغضب تارة وتسعد وتسر تارة، فإذا غضبت من النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك عندما تغار عليه غيرة شديدة، فتغضب إن أشار إلى زوجة من زوجاته، أو إن أكل المغافير عند زوجة من زوجاته، وكانت في أوقات اليسر والسعادة والسرور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تقسم وتقول: لا ورب محمد، فتذكر محمدًا صلى الله عليه وسلم على أنه من أعظم المخلوقات، فتقسم بالرب سبحانه، لكن ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أعظم مخلوق عند الله جل في علاه.
وكان إذا أكل المغافير عند زينب أو ذهب إلى أم سلمة قالت: لا ورب إبراهيم، وتركت اسم محمد، ولذلك قال لها النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح-:(إني لأعلم متى تكونين عني راضية ومتى تكونين غاضبة؟ عندما تكونين راضية عني تقولين: لا ورب محمد، -أفرس الناس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم- وعندما تكونين غاضبة عني تقولين: لا ورب إبراهيم.
قالت: نعم يا رسول الله! والله ما أهجر إلا اسمك فقط، لكن المحبة كلها تنعقد في القلب).
فالغرض: أنها كانت تقسم بذات الله وبصفاته وأفعاله.
وأيضًا: كان ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه يطوف حول الكعبة فسمع رجلًا يقول: والكعبة.
فأوقفه ابن عمر وقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: لا ورب الكعبة.
قال له ذلك لأنه لو أقسم بالكعبة فقد أقسم قسمًا شركيًا كما سنبين، لكن إن كان لا بد من القسم فليقل: لا ورب الكعبة، فانظروا إلى الصحابة رضوان الله عليهم بعدما أتقنوا العقيدة الصحيحة كيف ابتدءوا يعلمونها للناس تطبيقًا واقعيًا بعد العلم والعمل، ولذلك قال لي بعض الأفاضل: نريد من الإخوة أن يتعايشوا العقيدة ويتعبدوا بها، ولا نسرد لهم الأصول والفروع وغيرها، قلت: نعم، هذا جيد جدًا، لكن هو جيد للعوام لا لطلبة العلم، العوام يريدون العقيدة للتطبيق فقط، فيتعلمونها لاعتقادها والتعبد بها، أما طالب العلم فيتعلمها ليتعبد بها وليعلمها وليناظر من أجلها، وهذا الذي كان يفعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صلى ابن عباس على جنازة فسمع رجلًا يقول: اللهم رب القرآن ارحم هذا الميت، أفسح له في قبره، فلما انتهى ابن عباس من الصلاة وسلم أخذه فقال: ماذا تقول: قال قلت: ورب القرآن، قال: ما معنى ورب القرآن؟ أي: ليس لك أن تقول: ورب القرآن، فكانت الإجابة من الرجل إجابة معينة والإجابة من ابن عباس إجابة معينة.
وللتوضيح نقول: المضاف إلى الله نوعان: أعيان، ومعان، فـ ابن عباس أوقف الرجل؛ لأنه أضاف الربوبية للقرآن، بقوله: ورب القرآن، فإن كان الرجل يقصد أن القرآن كالشجرة، وهذا هو الذي أخذ على الشيخ سيد قطب عندما قال: والقرآن كالسماء والأرض والأنهار، والمأخذ في هذه الجملة: إذا قال: القرآن كالسماء، فكأنه قال: القرآن مخلوق، كما تقول المعتزلة.
إذًا: فـ ابن عباس استوقفه وكأنه يقول له: أنت الآن أضفت، وهذه الإضافة أتقصد بها إضافة معنى أم إضافة عين؟ فإن قصدت إضافة العين فهو قسم بمخلوق، وكأنك قلت: إن القرآن مخلوق، وهذا لا يصح، وإن قصدت أنها إضافة معنى، فقد أضفت القرآن الذي هو كلام الله لله، إضافة صفة للموصوف.
إذًا: فـ ابن عباس استوقفه لا للقسم ولكن للإضافة، أي: هل هذه الإضافة إضافة معنى أم إضافة عين، وهذا النوع من القسم في القرآن كثير، أي: إضافة المعاني للرب الجليل، نحو قوله تعالى: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود:73] .
ومنه أيضًا قول الله تعالى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ} [الصافات:180] فهنا أضيف الموصوف لصفته وهي العزة، رب العزة، في قوله (( رَبِّ الْعِزَّةِ ) )، وقد سمع ابن عباس من يحلف بذلك فقال: إن أقسمت فاقسم بالله جل في علاه، أو إن حلفت فاحلف بالله جل في علاه، ثم سأله عن مسألة الكلام، وسمع أحدًا يحلف بحياة أهله أو أقربائه فقال: الشرك بالله أن يقول: وحياتي وحياتك.
إذًا: فالقسم المباح قسم من المخلوق، وهو القسم باسم الله، أو بصفة من صفاته، أو بفعل من أفعاله جل في علاه.