السلبية الأولى: أن المشاركين في جهاد الدعوة والإصلاح أصبحوا قليلًا، بل كما قيل:- وقد كانوا إذا عدوا قليلًا فقد صاروا أقل من القليل لأن عموم الناس اعتبروا المسئولية على غيرهم، واعتبروا أنهم ليسوا أكفاء لذلك، وأن مستواهم لا يؤهلهم، فاعتبروا أن الدعوة مهمة أشخاص معدودين، وأن التعليم مهمة أفراد معدودين، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له رجاله، أما الباقون فأقبلوا على دنياهم وتركوا أمر الدين لهؤلاء الناس، وهذه لا شك سلبية كبيرة.
والأمر الآخر: أن من تصدى للدعوة والإصلاح والتعليم، أصبح في كثير من الأحيان يشعر قولًا وعملًا وأن فوق النقد، وأنه له قداسة تمنع المساس به، أو تقديم النصح له، لأن الأمة أصبحت ترجع إلى أفراد فقط، في كل مجالاتها وفي كل شؤونها في دينها أو دنياها، فأصبح هؤلاء الأفراد من طول ما أسندت إليهم الأمة المهمات، من طول ما اعتمدت عليهم، أصبح هؤلاء الناس يشعرون بشيء من الذاتية أو الشخصية، وأن النقد غير لائق بالنسبة لهم، ولا شك أن المنهج السليم أن يقال لكل من يملك شيئًا يستطيع أن يقدمه: تفضل قدم ما لديك، وكونك الآن تقدم ما لديك، كلمة أو موعظة أو مقالة أو قصيدة أو أي شيء تشارك فيه لخدمة دينك، فكونك تقدم ما لديك لا يعني أنك أصبحت شخصًا مستقلًا، ولا يمكن أن تتعلم من غيرك، بل لا مانع أيضًا أن تكون الآن خلال عشر دقائق معلمًا وموجهًا وناصحًا وواعظًا، وتكون في بقية اليوم والليلة خلال ثلاث وعشرين ساعة وزيادة، أن تكون متعلمًا ومسترشدًا ومتفقهًا من غيرك، لا مانع من هذا أبدًا، وبالتالي فليس أحد ممن يتصدى للدعوة والإصلاح بمنجاة من أن يقع في خطأ، وليس معصومًا ولا مانع من تقويمه وتصويبه بأي وسيلة مناسبة وملائمة، وإنما هلكت الأمة يوم أن صودرت الأمة كأفراد، واختزلت في فرد واحد، وقديمًا قال حافظ إبراهيم: رأي الجماعة لا تشقى البلاد به رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها.