الأمر الثاني: طريقة بعض الإخوة في التركيز على أخطاء الآخرين والبحث عنها والعناية بها مما ينعكس سلبيًا على ظن الناس بأن الدعاة إلى الله همهم البحث عن نقائص الآخرين، وأنهم يعتقدون في أنفسهم الكمال المطلق، ويعتقدون في غيرهم النقص المطلق.
والواقع أننا يجب أن ننتبه إلى محاسن الآخرين إلى جوار ذكر مساوئهم، فلا يسوغ أبدًا أن يكون همنا دائمًا وأبدًا التنبيه على أخطاء بعض الناس؛ لأن الناس حينئذٍ يتصورون بأنهم مجموعة من الأخطاء! لا ينبغي هذا، بل ينبغي أن يكون ذكر الأخطاء مسبوقًا بذكر الحسنات؛ حتى يعلم الناس أنك إنسان منصف ومعتدل؛ فأنت تمدح فلانًا بأنه مقيم للصلوات الخمس، وتمدح الآخر بأنه بار بوالديه، وتمدح الآخر بأنه صادق النية صافي القلب، ليس في قلبه غل أو حقد على مسلم، وتمدح الرابع بأنه لا يأكل المال الحرام، وتمدح الخامس بأنه قائم بأعماله الموكلة والمسندة إليه، وهذا وهذا، وما من إنسان -وخاصة المسلمين- إلا وفيه بعض فضائل يمكن أن تمدحه وتثني عليه فيها.
وقد كان من عجيب صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان حين يعرض نفسه على القبائل أنه ربما ذكر للقبيلة ولو شيئًا مما فيها؛ حتى إنه جاء لقوم يقال لهم: بنو عبد الله من قبائل العرب، فقال لهم: يا بني عبد الله! إن الله تعالى قد أحسن اسمكم، ثم دعاهم إلى الله عز وجل.
فكل جسر حاول أن تقيمه مع الناس حاول أن يكون وسيلة للعبور إليهم، والوصول إلى قلوبهم، كلمة طيبة، أنا لا أقول: امدح الناس بالباطل، ولا أقول: اجعل لسانك مداحًا تمدح هذا وذاك، بحق وبغير حق، وبغرض ولغير غرض لا! لكن إذا تكلمت مع إنسان أو مع جماعة من الناس أو مع طوائف منهم، فاحرص على أن تمهد بين يدي ما تريد من أخطاء ببعض ما تعلم من الحق والصواب الذي هم فيه.
وهذا المنهج قديم، ومن قرأ في سير الدعاة عرف هذا.
اقرأ مثلًا رسائل الشيخ ابن تيمية للعلماء ورسائله حتى للصوفية، ورسائله لبعض الشيوخ الذين عليهم مآخذ وانحرافات، تجده رحمه الله يمهد لذلك بذكر بعض ما لهم من الفضل وما لهم من الخير، وما لهم من الإحسان، ومن هدى الله على أيديهم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تقويم ما عندهم من الخطأ والاعوجاج.