الصفحة 178 من 477

مأمورة أن تستجيب لرغبة زوجها، فإن أبت حقَّ عليها وعيدُ الحديث.

وإنما ورد هذا الوعيد في شأن الزوجة دون الزوج؛ لأن الرجل - في الغالب - هو الطالب، والمرأة هي المطلوبة، والرفض لا يُتصور إلا من المطلوب، والغالب أن الرجل هو الذي يدعوها للفراش، وقليلٌ ما تدعوه هي لذلك، وإذا دعته فقليل ما يأبى الزوج دعوتها، ولذا كان الزجر أغلظ على الطرف الذي يتصَّور منه التمنع أكثر؛ لكونه مطلوبًا، وهو المرأة.

وورد هذا الوعيد في شأن الزوجة دون الزوج لأن الرجل ـ أيضًا ـ لا يتصوَّر منه حصول الوطء إلاّ بانتشار آلته (عضوه) ، وبدون ظهور رغبته لا جدوى غالبًا من دعوته، بخلاف المرأة؛ فهي محل قابل للوطء والاستمتاع، سواء رغِبت أم لم ترغب، تحرَّكت شهوتها أم لم تتحرَّك.

وكذلك لأن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة، كما أنه أسرع منها استجابةً للمثيرات والمرغبات. ومنعُه من قضاء وطره وإتيان شهوته أشدُّ ضررًا وأعظمُ مفسدةً من منع المرأة من ذلك، فإن المرأة تصبر، والرجل لا يصبر.

ويشبه هذه المراعاة لحاجة الزوج في الوطء ما جاء في الشرع من كثرة التذكير بحقوق الوالدين، ومن تكرار النهي عن عقوقهما، وتكرار التذكير بالوعيد الشديد على ذلك، فأنت تجد من ذلك ما لا تجد مثله في التذكير بحقوق الأولاد؛ لأن تقصير الناس في حق الوالدين أعظم من تقصيرهم في حقوق الأولاد، ولأن في فطرتهم من دواعي مراعاة حقوق الأولاد والحدب عليهم والرأفة بهم ما لا يحتاجون معه إلى التأكيد على حقوقهم، فلم تكن الحاجة داعية إلى التأكيد على ذلك كما كانت الحاجة داعيةً إلى التأكيد على حقوق الوالدين.

إن النظرة القاصرة التي لا تتجاوز ظاهر الحديث - وهو لعن المرأة التي تأبى دعوة زوجها إلى الفراش- قد لا ترى في الحديث إلا مراعاة مصلحة الرجل فحسب.

بيد أنَّ النظرة العميقة الفاحصة - التي لا تقف عند ظاهر لفظ الحديث ودلالة منطوقه - ترى في هذا الحديث مراعاةً لمصلحة الزوجين جميعًا، لا لمصلحة أحدهما دون الآخر، فالحديث وإن كان ظاهره مراعاة مصلحة الرجل وحاجته، إلا أن مآله فيه مصلحةُ الزوجين كليهما.

وبيان ذلك: أن المرأة العاقلة لا ترضى أن يفرغ زوجها شهوته في غيرها بالحرام، وهي تغار أشدَّ الغيرة لو همَّ زوجها بذلك، فكيف لو وقع؟!.

غير أنه لا يتناسب مع هذه الرغبة والغيرة رفضُها لدعوته إياها لفراشه، فهذا الرفض دافعٌ قوي - وبخاصة إذا تكرر- إلى أن يبحث زوجها عن موضعٍ آخر (غيرها) يضع فيه شهوته ويمارس معه المتعة.

وكلما تمنعت المرأة من زوجها عظُمَ في نفسه الدافعُ إلى قضاء وطره في غيرها، وقد يفضي به الأمر إلى أن تخرج من قلبه، وتصبح العلاقة بينهما سطحية رتيبة؛ كعلاقة الرجل بزميله في العمل، وهذا - قطعًا - لا يضر الزوج وحده، بل يضر الزوجة معه.

إنَّ تفهُّم الزوجة لحاجة زوجها الجنسية وتقبلَها لدعوته- بما لا يضر بها وإن كثُر- يجعله راغبًا فيها لا راغبًا عنها، منصرفًا إليها لا منصرفًا إلى غيرها. كما أنه يقطع الطريق على وساوس الشيطان أن تتسلل إلى قلبه، فتوسوس له وتزين له الفاحشة، وتجعل من رفض زوجته لإشباع رغبته عذرًا له أن يقع في المحظور.

ومن هنا يظهر لنا جليًا أن الحديث يأمر المرأة بما هو مصلحة لها في مآله لو تأمّلت أبعاد هذا الأمر في دلالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت