فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 221

والتطير الذي توجده هذه الصورة الشديدة، وإن شئت فانظر إلى قوله تعالى: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) «1» .

سترى كيف ازدادت عندك الحالة المتصورة سوءا. وكيف نفر منها طبعك نفورا، فما هو شأن هذه الريح المشومة التي جاءت بعذاب الاستئصال؟ وما هي خصائصها التي أوجدها الله- عزّ وجلّ- وسخّرها للهلاك التام المدمر حتى عاد كل شيء أتت عليه كالورق الجاف المتحطم نظرا لشدة عصفها، وسرعة تطايرها، وخفة مرورها.

وإضافة إلى ما تقدم نلمس في تشبيهات القرآن، وهي الذروة في تشبيهات اللغة العربية الكريمة، المحاكاة في الأمور المحسوسة، والمماثلة في الإدراكات المشاهدة، لأن في التصوير الحسي، والتشبيه في المشاهدات، انتقالا من الأمور الذهنية الصرفة إلى العيان والنظر، وانصرافا من القضايا العقلية المحضة إلى انعام الحواس بما تدركه دون جهد عقلي في تصور أمر مفروض، أو معنى ذهني مجرد، لا يتحقق مصداقه في الخارج إلا بما هو حسي، فيزول- عندئذ- الغموض والإبهام، وتدرك في ضوء ذلك حقائق الأشياء.

يقول الدكتور أحمد أحمد بدوي: «وليس التشبيه في واقع الأمر سوى إدراك ما بين أمرين من صلة في وقعهما على النفس، أما تبطن الأمور، وإدراك الصلة التي يربطها العقل وحده فليس ذلك من التشبيه الفني» «2» .

إذ الصورة التي يكدح العقل ويكد الذهن في استخراج أجزائها وربط علاقاتها، تكاد تكون بعيدة عن الدائرة الفنية للتشبيه، لأن إدراك المعقولات بعملية عقلية خالصة، لا

يكون من اليسر كإدراكها بالحسيات المشاهدة، وإن شئت فانظر إلى قوله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ «3» .

(1) الذاريات: 41 - 42.

(2) أحمد بدوي، من بلاغة القرآن: 187.

(3) الأنبياء: 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت