فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 221

غامض، ودقيق صعب، إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف: أن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك ولقد غفلوا غفلة شديدة» «1» .

هناك إذن- ما هو أهم من هذا، وهو أن الكلام العربي حينما يصاغ ويأخذ موقعه في العبارات والجمل، فإننا نخلص فيه إلى بيان حال من الأحوال، أو ريادة حقيقة من الحقائق، وذلك مما لا يتأتى بالاستقلال في المعاني التي يراد طرحها، وهذه المعاني على سبيل من الذائقة أكثر مما هو علامة إعرابية، أو مسألة شكلية تتعلق بالمؤشرات الخارجية، وموقع الوصل ومقتضى الفصل هو الذي يحقق ذلك، فأنى نتوصل إلى هذا الموقع وذلك المقتضى، ومتى يستعملان ليكسبا النص سلامة وعذوبة وذائقة لا نلتمسها من خلال النحو وتفصيلاته بل من خلال التركيب الفني وتناسقه، فإن شئت رددته إلى معاني النحو، وإن شئت رددته إلى مدارج البلاغة، ولكنه بالبلاغة أوصل، وإلى معانيها أنسب، ونقول ببساطة: إن كان هنالك جامع بين الأمرين، فالوصل هو المتعين، وإن لم يكن هناك جامع بينهما فالفصل هو المتعين، هذا هو الأغلب، وقد يكون العكس في بعض الحالات، واكتشاف هذا الجامع من مهمة البلاغي لا النحوي وإن كان الأمران متصلين تماما أو منفصلين تماما فالفصل هو المرجح وإن كانا منزلة بين منزلتين، أو حالا بين حالين فالعطف سبيلهما.

مهمة البلاغي هنا توحيد النص فيما يناسب مقتضى الحال ومهمة النحوي هناك إشراكهما في الحكم، والأول يقتضي أعمال الفكر وتمحض الفطرة، والثاني استيعاب أحكام الاعراب، والفضيلة للأول استنادا إلى الخبرة والذائقة، ولا مزية للثاني لأنه مبني على قواعد ثابتة.

خذ مثالا رائعا للوصل في سورة التكوير:

«بسم الله الرحمن الرحيم»

(1) الجرجاني، دلائل الإعجاز: 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت