بأنها أصول نحوية قالبا وأسلوبا وتعبيرا.
إن مسحا احصائيا لما أورده عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» وتأكيده على تسمية مباحثه هذه «معاني النحو» يوصلنا إلى حقيقة الأصل النحوي بعلم المعاني، وإن كان هذا الأصل مزيجا بلمسات بلاغية حينما أدخل عليه التعبير المرن، والسبك الرصين بأسلوب كأسلوب عبد القاهر ممن أوتوا نصيبا كبيرا من الذائقة الفنية.
فلو قمنا بجهد استقرائي لهذه المباحث على أساس تقسيم السكاكي (ت: 626 هـ) والقزويني (ت: 739 هـ) ولو اخترنا القزويني في حسن تنظيمه وترتيبه وتصنيفه لوجدنا أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وهي ثلاثة أبواب من مباحث علم المعاني عنده لوجدناها جميعا تدور حول الجملة الاسمية والفعلية فحسب، فالمسند إليه اسم دائما، والمسند: إما اسم، وإما فعل، وإما ظرف وإما جار ومجرور وهما الجملة العربية التي يصح عليها السكوت، وما بحثه من التنكير والتعريب، والذكر والحذف، والتقديم والتأخير، فإنما هي عوامل إعرابية تشخص المراد في أهميته، أو تعظيمه، أو تحقيره، أو تخصيصه أو عمومه، وهي مباحث لا تتعدى النحو إلا تجوزا.
وأما الباب الرابع، وهو، أحوال متعلقات الفعل فهو باب نحوي في جميع جزئياته وشتات حيثياته، كالفعل في حالة مع الفاعل والمفعول به، والفعل المتعدي الذي حذف مفعوله، والغرض من إثبات المعنى في ذاته للفاعل، أو الغرض من إفادة تعلقه بمفعول ما، والقصد إلى التعميم في المفعول، وأمر الحذف وعدمه، وتقديم المفعول ونحوه، وكون التخصيص لازما للتقديم، وإفادة التقديم للاهتمام مع التخصص، وكذلك تقديم بعض معمولات الفعل على بعض، وتقديم الفاعل على المفعول ... إلخ.
ولا يشك أحد أن هذه التفريعات من أصول النحو في وجوه، وإن كانت من فروع البلاغة وعلم الأصول من وجه آخر وهذا الوجه غير مسلم به إلا على سبيل التوسع في المعاني بالتماس جماليات النص، أو دلالات الألفاظ.