هو توكيد العناية بالمعاني، وأعني بها معاني النحو التي استقلت عند علماء العربية بعلم من علوم البلاغة، حتى جعلت من النحو ما يصح بأن يوصف بأنه هياكل لا تنصرف العناية بدراسة ما تشتمل عليه من حياة وحركة، وحتى صار الإعراب هو دليل المعاني، يدرس بمعزل من تلك المعاني، فلا يوصل بها ولا يستعان به على إدراكها، أو يستعان بها على فهمه واستيعاب مسائله وقضاياه» «1» .
وهو ينحو باللائمة على علماء النحو إذ قصروا في بيان العمق الدلالي لمباحث المعاني، حتى جعلوها تتحول بطبيعة البحث التفصيلي إلى علماء البلاغة، وهو حينما يبحث قضايا الإسناد في الجملة يعقب على ظاهرتي الخبر والإنشاء فيها، وهما من صلب النحو- يعني عدم تحرير هذه المسائل من ربقة الجمود اللفظي إلى رحاب التعبير الدلالي من وجوهه كافة فيقول: «ثم يأتي من بعد ذلك تقسيم آخر يتناول الجملة من حيث وجود مدلولها في الخارج أو عدم وجوده، وهذا هو الذي اصطلح علماء البلاغة على تسميته بالخبر والإنشاء، فجملة الأمر، والنهي، والدعاء، والتمني، والترجي والاستفهام، ونحو ذلك من أساليب الإنشاء تتوزعها أبواب النحو تبعا للاعراب وحركة آخر الكلمة. وقلما يخوض النحاة في التفريق بين هذه الأساليب وأساليب الخبر، وفي ذلك ما فيه من تحيف للمعاني، وخلط بين التراكيب دون الاعتبار بما تؤديه من المعاني، وهذا هو العلم الذي يسلم النحو إلى حال بعيدة عن وظيفته من دراسة التراكيب وفهم طبيعتها، بحيث تثمر تلك الدراسة التراكيب وفهم طبيعتها، بحيث تثمر تلك الدراسة قدرة على الفهم الدقيق والذوق السليم لأساليب العربية من جهة، وقدرة على التعبير الصحيح المصيب عن الأفكار والمشاعر على النحو الذي نحاه العرب، القصد الذي قصدوا إليه» «2» .
قدم البلاغيون- فيما يبدو- على مادة ضخمة ولكنها أولية في التصنيف، فنقحوها وألحقوها بالمباحث البلاغية دون الجنوح إلى القول
(1) أحمد عبد الستار الجواري، نحو الفعل: 7 - 8.
(2) نفس المصدر: 12 - 13.