أشبعه بعرض آخر، تمحضا للموضوع وتأهبا للأمر في استكناه نظرية النظم التي تستجلى منها المعاني في سبيل العبارات وتراصف الجمل فيقول:
«واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علما لا يعترضه الشك أن لا نظم في الكلم، ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض، ويبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس» «1» .
وواضح أنه يتحدث هنا عن قضايا الإسناد في تركيب الجملة وأنها أصل ذلك، وقضية الإسناد بشقيها في ارتباط بعضها ببعض، من أصول المعاني لدى البلاغيين وهي
أصولها عنده في نظرية النظم، وهو يؤكد ذلك بعد كد وكدح واستقصاء وشواهد فيقول: «وإذ قد عرفت أن مدار أمر النظم على معاني النحو وعلى الوجوه والفروق التي من شأنها أن تكون فيه، فاعلم أن الفروق والوجوه كثيرة ليس لها غاية تقف عندها، ونهاية لا تجد لها ازديادا بعدها، ثم اعلم أن ليست المزية بواجبة لها في أنفسها ومن حيث هي على الإطلاق، ولكن تعرض بسبب المعاني والأغراض التي يوضع لها الكلام ثم يحسب موقع بعضها من بعض، واستعمال بعضها مع بعض» «2» .
وهو هنا يتكلم عن معاني النحو في فروقها ومميزاتها ووجوهها ويريد بذلك التعريف والتنكير والتقديم والتأخير، والذكر والحذف، ولا حدود لذلك لديه، ولا نهاية لها عنده، والفضل ليس لها في هذا المقياس، ولكنه للموقع من الجملة بحسب معانيها وأغراضها، ودقة استعمالها وتسخيرها، هو يعاود هذه الفكرة فيقول: «واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر ويغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتخذ أجزاء الكلام، ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان بأول، وأن يحتاج في الجملة أن تضعها في النفس وضعا واحدا، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه هاهنا في حال ما يضع يساره هناك» «3» .
(1) أحمد مطلوب، القزويني وشروح التلخيص: 288.
(2) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز: 51.
(3) المصدر نفسه: 71.