إلا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معاني النحو وأحكامه، ووجدته يدخل في أصل من أصوله، ويتصل بباب من أبوابه.
هذه جملة لا تزداد فيها نظرا، إلا ازدادت لها تصورا، وازدادت عندك صحة وازدادت بها ثقة، وليس من أحد تحركه لأن يقول في أمر النظم شيئا إلا وجدته قد اعترف لك بها أو ببعضها، ووافق فيها درى ذلك أو لم يدر «1» .
فنظرية النظم عند عبد القاهر في استجلاء معاني النحو ترتبط بالمسند والمسند إليه وقضاياهما، وتستوعب مباحث الفصل والوصل على ما يفيده المعنى من كل حرف من حروف العطف وتشتمل على الحذف والقصر والتكرار وتترصد الإضمار والإظهار والتقدير مضافا إلى التعريف والتنكير، وهذه أهم مباحث علم المعاني.
وهنا يجب التنبه أن نظرية النظم عند عبد القاهر تنظر إلى النحو نظرة خاصة ومتطورة، تتعدى حدوده التعريفية وعلاماته الإعرابية إلى خصائصه الفنية: «ولا يقصد بالنحو معناه الضيق الذي فهمه المتأخرون، وإنما يريد المعاني الإضافية التي يصورها النحو. وبذلك رسم في «دلائل الإعجاز» طريقا جديدا للبحث النحوي تجاوزا أواخر الكلمة، وعلامات الإعراب، وبين أن للكلام نظما، وأن رعاية هذا النظم واتباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة والإفهام» «2» .
لهذا نجده يعير التركيب وسلامته، وارتباط النظم وتعلق بعضه ببعض، وتشابك العبارة وصلتها بما قبلها وما بعدها أهمية كبيرة يؤكد عليها في موضع أثر موضع، ويناقشها في فصل بعد فصل، ويحررها في جزء ليكملها في جزء آخر، وهكذا ديدنه .. يكر على الأمر ويبحث أمرا موازيا له ويعود إليه، ويحيل إلى ما يأتي، ويشير إلى ما سبق، ويتناول ما هو بين يديه. والرجل قوي الحجة، صليب البرهان، فلا يكاد ينتهي من عرض إلا
(1) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز: 79.
(2) المصدر نفسه: 66 - 68.