البلاغيين القدامى في المختصرات والمطولات والتلخيصات ونتيجة لمسيرة هذا الركب في هذا الاتجاه المقيد، فقد أوقع بالبلاغة العربية في معالم جافة لا تمت إلى الذوق الفني بصلة، بل اعتمدت الشكليات الفجة، والتقسيمات المملة، فأخضعت لأقيسة أصولية واصطلاحات منطقية، حتى عادت شبيهة بالألغاز المعماة، لا مسحة لجمال فيها، ولا أصالة لفن معها، مما دعا بعض العابثين أن يسم هذا التراث العربي الإسلامي المحض بالأثر اليوناني تارة، والأعجمي تارة أخرى، نظرا لعقم الجدل المثار في تصانيف هؤلاء القوم «1» .
إن التقسيمات المعقدة التي ألحقت بعلم المعاني بتفريعاتها المضنية، وضروبها المتشعبة مرده إلى ما أفاده الأستاذ أمين الخولي بأنه «صورة لما ساد دراسة تلك البلاغة من نزعات فلسفية وكلامية، ومنطقية، أقحمت فيها كثير من أبحاث لا علاقة لها بالغرض الأدبي، وضيقت دائرتها الفنية، وأفاضت عليها جمودا وجفافا أعجزها عن أن تترك أثرا أدبيا في ذوق دارسها «2» .
ويأتي السكاكي (ت: 626 هـ) في طليعة هؤلاء المصنفين على طريقته الخاصة في التقسيم والتقعيد فيضع مباحث علم المعاني في قوالب جامدة تنتهي به إلى قوانين، والقوانين إلى فنون، والفنون إلى مباحث على الشكل الآتي:
القانون الأول، ويتعلق بالخبر، والقانون الثاني ويتعلق بالطلب.
وقسم القانون الأول إلى أربعة فنون:
الأول: في الإسناد الخبري، وتفصيل اعتباراته وتبيين أنواعه، وعرض أغراضه، واستخراج مؤكداته، وخروجه عن مقتضى الظاهر.
الثاني: في تفصيل اعتبارات المسند إليه، وبيان وجوه حذفه وذكره، ومباحث تعريفه وتنكيره، وإضماره، ووجوه تعريفه بالموصولية والإشارة، والألف واللام، والإضافة ... إلخ.
(1) ظ: المؤلف، أصول البيان العربي: 23.
(2) أمين الخولي، دائرة المعارف الإسلامية، مادة بلاغة: 4/ 70.