فإن قيل: وقول الشاهدين: ولدته في ملكه لا يوجب كونه مملوكًا؛ لجواز أن يكون قد قيل له عن الأمة المذكورة أنها حرة فتزوجها ثم ولدت له ولدًا ثم تبين أنها أمة فإن الولد يكون حرًا، ويصح أن يقال: ابن أمة؛ فلأنها [1] ولدته في ملكه.
قيل: الغرور نادر، والنادر لا يعتدّ به. بخلاف ما تقدم ذكره.
وأما كون من شهد أنه اشترى الأمة من فلان أو وقفها أو أعتقها لا يحكم بها حتى يقولا: وهي في ملكه؛ فلأنه لا بد من كون البائع والواقف والمعتق مالكًا؛ لأنه قد يبيع الإنسان ما لا يملك وقد يقفه وقد يعتقه.
ولأنه لو لم يشترط قول الشاهدين: وهي في ملكه لتمكن كل من أراد أن ينزع شيئًا من يد غيره أن يتفق هو وشخص ويبيعه إياه بحضرة شاهدين، ثم ينتزعه المشتري من يد صاحبه، ثم يقتسماه، وفي ذلك ضررٌ عظيم لا يرد الشرع بمثله.
وأما كون من شهدا أن هذا الغزل من قطنه والطير من بيضته والدقيق من حنطته يحكم له بها؛ فلأن الغزل والدقيق عين ماله، والطير حادث من عين ماله.
قال: (وإذا مات رجل وادعى آخرُ أنه وارثه وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثًا سواه سُلِّم المال إليه سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة أم لم يكونا. وإن قالا: لا نعلم له وارثًا غيره في هذا البلد احتمل أن يسلم المال إليه، واحتمل أن لا يسلم إليه حتى يستكشف القاضي عن خبره في البلدان التي سافر إليها) .
أما كون من ادعى ما ذكر وشهد له شاهدان أنه وارثه لا يعلمان له وارثًا سواه يسلم المال إليه؛ فلأن بذلك يظهر استحقاق المشهود له وعدم استحقاق غيره، والعلم لا يمكن الاطلاع عليه. فوجب الاكتفاء بالظاهر؛ لقوله عليه السلام: «أنا أقضي بالظاهر» [2] .
(1) في د: فلأن.
(2) لم أقف عليه هكذا. وقد روي عن أم سلمة قالت: قال سول الله صلى الله عليه وسلم: « ... فأقضي له على نحوِ مما أسمع منه» .
أخرجه البخاري في صحيحه (6748) 6: 2622 كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم.
وأخرجه مسلم في صحيحه (1713) 3: 1337 كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.