لقد ألف كتبه في أحوال، منها: أحوال الغربة والسفر، كما ألف كتاب مفتاح دار السعادة ، وكذلك كتاب زاد المعاد ، ألفه في حال السفر لا الإقامة، والخاطر متفرق، والقلب في كل وادٍ منه شعبة، كما وصف رحمه الله. وكان شديد المحبة للكتب، وجمع كتبًا لم يتهيأ لغيره -كما يقول ابن كثير - عشر معشار ما اجتمع عنده -رحمه الله- من كتب السلف والخلف، كان مغرمًا بجمعها، وحصل ما لا يحصى، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرًا طويلًا، سوى ما اصطفوه لأنفسهم، وكان لا يبخل -رحمه الله- في إعارتها. وقد تولى الإمامة بالجوزية، والتدريس في الصدرية -أسماء مدارس- وتصدى للفتوى والتأليف، وقد سجن بسبب بعض الفتاوى، كفتواه في الطلاق الثلاث بلفظ واحد، التي تابع فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وعامة أهل الأرض مطبقون على أن طلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثًا، كما هو قول أهل المذاهب الأربعة. وكذلك حصل له أذى بسبب تأليفه رسالة إنكار شد الرحال إلى قبر الخليل، وتابع فيها شيخ الإسلام رحمه الله، المتابع لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، في مسائل التوسل، ومقاومة أنواع الشرك.
حسن خلق ابن القيم وتواضعه:
كان ابن القيم حسن القراءة، كثير التودد، لا يحسد أحدًا ولا يؤذيه، ولا يحقد على أحد، وكان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله، وكان ذا خلق عظيم رحمه الله تعالى. ومن خلقه: تواضعه الذي يظهر في أشياء كثيرة من كتبه، ومن ذلك: قصيدة يظهر فيها تواضعه أنشدها لبعض طلابه، وهو العلامة الصفدي رحمه الله، يقول ابن القيم عن نفسه في هذه القصيدة:
بُني أبي بكر كثير ذنوبه فليـ ... س على من نال من عرضه إثم
بُني أبي بكر جهول بنفسه ... جهول بأمر الله أنى له العلم
بُني أبي بكر غدا متصدرًا ... يعلم علمًا وهو ليس له علم
بُني أبي بكر غدا متمنيًا ... وصال المعالي والذنوب له هم
بُني أبي بكر يروم ترقيًا ... إلى جنة المأوى وليس له عزم